بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 3 ديسمبر 2014

سر البكاء الليلى


بعد أيام من موت أمى (29/7/2012م)..دخلت علىّ ،بحجرة مكتبى ومكتبتى المنزلية ،أختى ليلى ..تحمل بين يديها بعض الملابس النسائية القديمة والمستعملة .. وهى مندهشة جداً وجلست على أحد الكراسى أمام المكتب ..وتركت ما كنت مشغولاً به ..وتأملتها ولسان حالى يسألها ..خير!!! 
فقالت : دى بعض هدوم أمورة الله يرحمها.
فقلت :كانت فين ..قمورة ماتت من 33سنة ؟ (عمرها 16سنة )
فردت علىّ: لقناها فى دولاب الحاجة ..كانت محتفظة بها وبتحافظ عليها وكأنها جديدة !!
وتركتها على المكتب وخرجت ..
فتناولت إحداها وقرّبتها من وجهى ..فشممت رائحتها .فكأنها ،وكما قالت ليلى ، جديدة .
وعادت بى الذكرى إلى يوم 25/7/1980م ..يوم وارى الثرى جثمان أمورة ..ودفنت فى مقبرة أحد أقاربنا الذى صمم على أن تُدفن أمورة بمقبرتهم .
ولا أنسى فى صبيحة هذا اليوم ..أننى سألتها ،قبل أن أخرج من البيت ،فقد خرج الجميع ولم يتبق سواها وسواى ،أمورة ياحبى .. 
عايزة حاجة قبل ما أخرج؟
قالت ،ووجهها يفصح عن نهاية موشكة ورحيل مباغت، :لأ عايزة أدخل أستريح على الكنبة وهات الراديو جنبى .
وتساندت علىّ وكدت أحملها بين يدىّ ،فقد ذهب المرض اللعين بنضارتها وزهوة الجمال فيها ،واستلقت على الكنبة والراديو بجوارها وقلت لها : أنا فى مكتب البريد عند محمود الشيخ "مدير المكتب وابن قريبة أمى " لو فيه حاجة ابعتى حد ينادينى..وخرجت وانقباض بصدرى يدعونى للبقاء معها ..لكن هناك مادعانى للخروج .
مرت عدة ساعات وفوجئت بأحد إخوتى يطلب منى الحضور على وجه السرعة ، لأن أمورة تعبانة جداً..وعدوت فى الشارع مفزوعاً والأمل يحدونى أن تكون بخير .
ففى آخر لقاء مع الطبيب الدكتور عبدالمنعم قمبر ، بصحبة أمورة ووالدىّ،طلب منى أن أنتظره دقائق على إنفراد ..ثم همس لى : أختك بتموت وسيبها تأكل و تشرب كل ماترغب فيه ..كلها أيام ..الحمى الروماتيزمية هاجمت القلب بضراوة وشراسة ...ورحمة الله فوق كل شيىء .
والألم يعتصرنى بقوة والبكاء نزيف حاد بصدرى وروحى الحزينة ساخت منى والأرض تهتز تحت قدمىّ..عدت بخطوات أكثر حزناً وتعاسة وانهياراً ، تعلونى إبتسامة باهتة وطعم المرار يملأ فمى ،فسألتنى أمورة ،الدكتور قال لك إيه ؟فضحكت وقلت :بيقوللى أمورة يلزم لها عريس!! فنظرت إلى وجهى تقرأ فيه الكذب الصراح الذى نطقت به ،وردت علىّ :هو قال كده ..مش ممكن ! فحلفت بأغلظ الأيمان إنه قال كده..ورددت لها أغنية فيروز ..قمارة ياقمارة ....فهذه الأغنية ..دائماً وأبداً ..أرددها على مسمعها لحظة الصفو .
وأنا أعدو فى الشارع ..داعياً الله أن يرزقها الشفاء ..قابلنى وجه ليلى يبكى بكاءاً مراً :أمورة ماتت وقبل ماتموت قالت لنا إنت فين.

الرحمة الرحمة يارب السماوات ..ياحزنى الأبدى ..ياشقاء روحى ..يا تعاسة قلبى .,ياعذابى الذى سيطول ....
وفى حضرة الموت وجلال اللحظة إنحنيتُ على رأسها مقبلاً إياه.. داعياً لها بالرحمة والمغفرة .. وأصدر أبى أمره بالبدء فى إجراءات الغُسل ،تمهيداً لرحيلها الطويل عن حياتنا .
بين يدىّ ثوب أختى أمورة ..أشم رائحته وأتأمل ألوانه الزاهية التى مازلت غضة لم تبهت ..
وتنبض الذكريات بروحى .. فقد عدت ذات ليلة ولم يكن أحدٌ من إخوتى قد عاد وأيضاً أبى ،فدخلت حجرتها دون استئذان ظناً منى أنها نائمة .. وجدتها جالسة على الأرض أمام دولاب الملابس تبكى وهى تحمل بين يديها ملابس..وتتحدث بحرقة وألم :فينك ياأمورة .. ياحبيبة قلبى ..فينك ياضنايا ..لكنها لم تشعر بى ولم تولنى اهتماماً .فتقهقرتُ وأغلقتً الباب . 
ثم قمت بإحداث جلبة وفتحتُ باب البيت وأغلقته محدثاً صوتاً عالياً ..ومنادياً ً بصوت عالٍ:فينك يامه ..إنتى نايمة ولا صاحية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق