بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 18 مايو 2016

صاحبى العجوز


كنت فى سنواتى الأولى أذهب إلى كتاب القرية لحفظ القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة. .وفى ذهابى وإيابى أمر على منزل فخيم جدا ويجلس، على دكة خشبية تحته حاشية نظيفة، رجل عجوز يرتدى جلبابا ابيض وطاقية قماش بيضاء ولحيته قصيرة بيضاء ووجهه أبيص مشرب بحمرة خفيغة. .أنظر نحوه ثم أواصل سيرى.
وفى يوم نادانى وسألنى عن إسمى فقلت له. .فقال :كم حفظت من القرآن؟
قلت جزء عم وتبارك وقد سمع.
فابتسم إبتسامة وردية وباركنى مشجعا إياى.
وهكذا تصاحبت عليه فقد كنت فى سن أحفاده. .ومرت الأيام والسنون وذهبت إلى المدرسة الإبتدائى وتغير طريقى لكن لم أنس وجه هذا العجوز المبتسم.
وأثناء حديثى مع جدتى أم أبى حكيت لها عن هذا العجوز الطيب الذى يضحك معى ويستمع لبعض سور القرآن أنلوها عليه فيثنى على ويدعو لى بالتوفيق.
وأتوجه بالكلام لجدتى :
ليه قاعد لوحده ؟
ترد جدتى : ده يعتبر زى جدك وكان عايش في مصر. .عالم من علماء الأزهر الشريف زميل شيخ الأزهر الشيخ شلتوت وكان له صيت وشهرة ولكنه ساب كل ده وجه عاش فى بيته والكل يحترمه ويخافوا منه لعلو مكانته والغريب إنه صاحبك وبيتكلم معاك وتقعد جنبه. .دا محدش من ولاده ولاقرايبه ولا أحفاده بيقرب منه. .
وتمر سنوات عمرى وينتقل صاحبى العجوز إلى مثواه الأخير ويشيعه كبار العلماء ويدفن فى مقبرته التى شيدها أثناء حياته. .وأمر اليوم على هذه المقبرة التى تقع على الطريق مباشرة وأتذكر صاحبى العجوز طيب الذكر وأدعو له بالرحمة.

أيام لاتنسى

بالتأكيد الكنيسة المصرية من أعرق الكنائس ...أدافع عنها كما أدافع عن المساجد، هما تاريخى وحياتى.
عشت صغيرا وتربيت بين عائلة مسيحية أرذوكسية وكانت أمى وخالتى صفية وخالتى فيكتوريا أخوات لأمى الوحيدة التي مات أبوها وتركها مع أخيها الطفل وأمهما. .ثم أعقب موت الأب موت الأخ الصغير ثم تزوجت الأم وعاشت أمى بين أسرة زوج أمها وأسرة أبيها ولما بلغت 15 ونصف سنة تزوجت والدى وكنت ابنهما البكرى ثم أتى من بعدى بنتان وأربعة ذكور.
كانت خالاتى صفية وفيكتوريا مع أمى معظم اليوم لايفترقن ،فى الخبيز والطبيخ والغسيل وتقليم الدرة ونقاوة الرز وتشريش البصل وجمع القطن. .وفى الزيارات العائلية والمناسبات الحزينة والمفرحة والأعياد.
تربيت مع أولادهما بشرى وهيلانة وعايدة ورفيق وملاك.

أصوم معهم صوم العدرة، كما كانوا يصومون معنا شهر رمضان، فلم نرهم يأكلون أمامنا طوال صيامنا.
والدى مع جدو حبيب والد فيكتوريا وصفية وسمير وإبراهيم وجد بشرى وعايدة وهيلانة ..
تذهب أمى مع خالاتى فيكتوريا وصفية يوم الأحد إلى كنيسة الملاك. .وتعود معهن. .سعيدات مبتسسمات ضاحكات.
تحكى أمى. .عندما شاهدنى القسيس بالكنيسة مع صفية وفيكتوريا رحب بى ترحيبا جميلا وقال لى :
نورتى بيت الرب.
وفى مرة طلبت الذهاب معهن، ورحت ممسكا بيد عايدة جميلة الجميلات والتى أخاف عليها من النسمة. .وحضرت الصلاة ورحت أردد :
كيرياليسون. .كيرياليسون.
أيام لاتنسى وسنوات خضراء فى ضميرى وعمرى.

الأربعاء، 27 أبريل 2016

ذاكرة تأبى النسيان

فى أكتوبر سنة 2005م بالعدد61 من مجلة الرافعى الأدبية الصادرة بترخيص من المجلس الأعلى للصحافة والتى تصدرها مديرية الشباب والرياضة بمحافظة الغربية ومقرها طنطا ، نشرتُ مقالة على صفحتين ص 17،16 بعنوان "أرض الخوف والليل الذى طغى "
كان مقالاً مقلقاً مفزعاً وصادماً ،"شكل تهديداً للأمن العام" كما أورت بذلك تقارير مباحث أمن الدولة بالغربية .
وكونى محامياً ،غلّ يدهم من القبض علىّ.
وتم توجيه لوم شديد وقاسِ لرئيس مجلس الإدارة "وكيل الوزارة" والتنبيه"مستقبلاً" بإرسال البروفة النهائية للمجلة قبل طبعها .
ولم يكن المقال سوى صرخة قوية فى وجه الطغيان .

وهذا المقال،الذى يُنشر لأول مرة على النت ،أهديه لأستاذتنا الجليلة منيرة الفهرى ، فكلانا أراد وطناً حراً جميلاً ترفرف عليه راية الحرية والعدالة الإجتماعية والعيش الكريم والكرامة الإنسانية.
تشابهت القلوب وإتحدت العقول ،كانت الثورة حلماً ثم صارت واقعاً،ندعو الله أن يجنبها العراقيل وتؤتى ثمارها المنشودة.
**************************
أرض الخوف ..أرض الرعب. أرض الكذب..أرض المهازل ..أرض الضياع.
النفوس الضائعة والعقول التائهة.زالمتبلدة. نعيش فى الألفيةالثالثة ،التى سيطرت عليها أحلام القياصرة وطموحات الأكاسرة .
الهيمنة الأمريكية الطاغية التى صارت تحلل وتحرم وتغير فى البلاد وفى العباد وفى الحياة .
الليل الأمريكى الطويل الذى يزداد قتامةً وسواداً وظلمةً.
الليل الأمريكى الذى يتسرب إلى كافة مناحى الحياة ويسيطر عليها .
الليل الأمريكى الذى جعل الأرض كلها ظلمة وسواداً وقتامةً .
وفى الليل المدلهم تتحرك كافة الأشباح وتخرج الشياطين من القماقم وتعوى الوحوش وتنهش الأعراض والأرواح،تهدم ..تحطم .تسحق كى تشكل عالماً جديداً وجغرافية جديدة وبشراً جداً.
هذا هو الوحش الطاغى الكاسر،وتلك الحيوانات الوديعة الأليفة المنكسرة التى ألفت السكينة والخمول والكسل والكذب.
هذا الحمل الوديع المعد للذبح ..دائماً لايملك من أمره شيئاً ولامن حياته موقفاً.
سالنى صديق عزيز:
مانهاية الطريق؟
ضحكت وكان ضحكى بكاءًا،
وهل ياصديقى العزيز، عرفنا الطريق حتى نعرف منتهاه.
نحن بداية ولانهاية ،نحن غموض ونزداد يوماً بعد يوم غموضاً أكثر ،نزداد جهلاً وتسطيحاً.
ويعاود صديقى العزيز السؤال:
من نحن وإلى أين نسير؟
وأتوقف كثيراً وتعترينى الدهشة ويتلاشى الصمت المطبق بداخلى وتسبح روحى محلقةً ..
فعلاً من نحن ؟
وإلى أين نسير؟
ويجىء الرد قاطعاً وحاسماً،بأن الواقع والحياة قد فقدت معناها وأن الصراع قد حسم لصالح اليد العليا والذراع القوية الطويلة والليل الذى طغى .
أصبحت ألوف الشموع واعواد الثقاب لاتصنع ضوءاً..حتى الضوء الضعيف لم يعد له أهمية ،ولم يعد له مكاناً.
إنهارت منظومة القيم وأصبح الكذب هوالصراط المستقيم الذى نسير عليه ..
أصبح الماء الذى نشربه ..
أصبح الغذاء الذى نقتاته..
إنه الدماء التى تسرى فى عروقنا ..
الكذب صار الهواء الذى نتفسه والنور الذى نبصره منذ سنوات طويلة ..
إنها سنوات عجاف مريرة ومرة .
قال لنا الحكام :أننا سنسير وسنصع أمجاداً كما صنع الأقدمون "بناة الأهرام" حضارة السبعة آلاف عاماً ويزيد.
حضارة السبعة آلاف عاماً التى توقفنا عندها ولم نتحرك قيد أنملة .
تم النهب لأموالنا وأرواحنا .
سرقة أحلامنا من بين صدورنا.


فى يوم من أيام المجد وموسكو تقف فى مواجهة واشنطن مواجهة مستمرة. العملاقان اللذان يسيطران على الكرة الرضية والفضاء الذى يحيط بها. سنوات الحرب الباردة . هرب أحد المثقفين الروس من بلده المترامى الأطراف آنذاك. والذى قيل له :
لماذا تهرب من إحدى الدولتين العظميين اللذان يحكمان العالم؟
كان رده قاطعاً:أريد أن أحمى أولادى من بلد صار غذاءه اليومى "الكذب"!

لكن الكذب صار علينا قدراً مقدوراً.
الكذب علينا صار أمراً مفضياً . من القمة إلى القاع ،الكل يكذب.
الجوع ينهش النفوس .
الفساد صار أرضاً خصبةً ومحيطاً طامياً نغرق فيه.
التخلف مرتعنا الوخيم ،والمستنقع القذر المعد لنا.
الفقر شعار المرحلة والبطالة أغنية حزينة . المعونات تتساقط علينا .
زبالة الدول وأغذية الكلاب والقطط والأدويةالتى لها فئران تجارب .
الحزن.. أكوام وأكوام..
أرضنا لم تعد تنبت الزهور .
ضاعت مصانعنا ، وبيعت لكل مرتزق وأفاق,
صارت بلادنا نهيبة لكل مقامر وأرضنا تنتج لنا فساداً لانهاية له .
الدول الكبرى تخترق حياتنا وتدمرنفوسنا .
نضحك على انفسنا ونقول :مازلنا مصريين قلباً وعقلاً شكلاً وموضوعاً .
والحقيقة المفجعة ..أننا فقدنا الهوية ،وفقدنا الشكل والمضمون.
أصبحنا ياسادة خارج التاريخ وخارج الجغرافيا. اصبحنا، ياسادة، عجزة عميان مقطوعى اللسان . هذا الليل الطويل متى ينجلى؟
أتأمل محسوراً حياتنا .
هذا الهم اليومى !
طوابير الخبز فى طول البلاد وعرضها ،فى بلد زراعى كما يقال!
هذا العذاب اليومى وملاحقة الروح قبل خروجها. والعيش فى بلد يلفظ أنفاسه الأخيرة .
الكذب الذى ترفعه الحكومات ،والمشاكل التى تم حلها والحياة الرغدة السعيدة التى يحياها المواطنون!!!
الكثيرالكثير من الكذب والنهب المستمر لعقولنا وأرواحنا ..
لكن مصر الكذب السقوط المريع.
والانهيار لكل شيىء والضياع لكل شيىء.
كنت أتحدث مع صديق عن هذا الذى يؤرقنى ويأخذ بيدى إلى حفرى قبرى .
لم يسكت صديقى بل أجاب :أنه كان حاضراً مؤتمر القمة"ضمن وفد رسمى" بالجزائر مارس 2005م ،وتأكد لديه وبما لايدع مجالاً للشك أو الريب،أن البلاد العربية جميعها ..لاشىء لاشىء ،وأننا خراف معدة للذبح وللسقوط المهين وللثورات الشعبية التى لاتبقى ولاتذر.
ياسادة ...أقول بقلب دامع حزين:
هل تاملتم الجوع والفقر والمرض والإفلاس . الضياع هو المستقبل المشرق الزاهر لأولادنا إن قدر لهم العيش.
همنا اليومى ..كيف نستطيع العيش؟
كيف نستطيع العيش والعدو رابض بأرضنا وارواحنا؟
كلما نظرت وأمعنت النظر فى واقعنا وحياتنا ،أحزن حزناً شديداً .
العراق سرق من بين أيدينا وشاركنا العدو فى سرقته، وكما سرقت فلسطين من قبل؟
سوريا والطريق المستقيم للإستقامة كما يريد العدو وإلا الغزو والتفكيك.
لبنان على شفا حفرة من الضياع.
الأردن وما أدراك ما الأردن؟
السودان الشقيق وعما قريب سيصير دويلات متعددة الجنوب والشمال ودارفور .
ثم المشيخات ..والليل الأمريكى المهيمن والمسيطر والحاكم بأمره .
آه من هذا الحزن القاتل ..
الألم يعصرنى ويسحقنى .دول المغرب العربى..المغرب تونس الجزائر ليبيا ،
أين هم على الساحة ؟
ويعيدنى للواقع ويشدنى إليه شداً ويملأ عقلى وقلبى صوت الحرية القادم والثورة على الأبواب.
ثورة الجياع.
ثورة المقهورين ..
ويأتينى، من بعيد ،الصوت الشجى .. صوت فيروز تصدح ..تشدو ..تزرع،فى كيانى الأمل :
سوف نحيا .........

السبت، 9 أبريل 2016

ذاكرة تأبى النسيان


مهداة إلى تلاميذ وتلميذات بحر البقر، الحسينية، محافظة الشرقية.
........
فى 8 إبريل سنة 1994م..سافرت إلى الحسينية محافظة الشرقية. .وصادف هذا اليوم ذكرى استشهاد تلاميذ مدرسة بحر البقر الإبتدائية الذين استشهدوا بعد قصف طائرة عسكرية صهيونية لمدرسة بحر البقر الساعة التاسعة صباحا يوم 8 إبريل سنة 1970م.

كانوا 30 تلميذا مابين السادسة والعاشرة من عمرهم.
وأصيب باقى التلاميذ وغيرهم من العمال. ..

كانت تقلنى سيارة مرسيدس صفراء اللون ويقودها سائق يعرف بلاد محافظة الشرقية تمام المعرفة ومقصدنا الحسينية ثم الصالحية الجديدة وهى إحدى أقاليم محافظة الشرقية. .وتقع بدائرتها قرية بحر البقر. .التى حدثت فيها المجزرة البشعة.
طلبت من السائق وقبل الذهاب إلى الصالحية الجديدة أن نمر على مدرسة بحر البقر. .
واتخذ السائق الطريق المؤدى إليها.
كنت أجلس بجواره والحزن يتملكنى ويحرقنى ويشقينى ويفتت كبدى حسرة على ما أصابنا من هزيمة فاجعة فى 67 واحتلال سيناء وتدمير قواتنا الجوية وصارت سماء مصر المحروسة مستباحة لطائرات الصهاينة يمرحون فيها كما يرغبون ويضربون أهدافا مدنية وغير مدنية.
كان قلبى يبكى لهذه الذكرى القاسية والمميتة والساحقة للكرامة والقيمة والاعتبار.
وطن عظيم ينتهك شر انتهاك وسماء مفتوحة بلا حراسة وبلا حدود مانعة.
وطن عظيم لايستطيع حماية أرضه ولاسمائه. .ويموت أبناؤه جوعا وعطشا ويقتلون شر قتلة فى سيناء من عدو صهيونى حتى قيام الساعة.
ورغم حرب أكتوبر 73 إلا أن الغضب يقتلني.

وتدمع عيناى ويتوقف السائق ويقول متسائلا :
حضرتك بتبكى. .حضرتك تعبان نروح المستشفى جنبنا.
وأمسح دموع المنهمرة وأرد عليه :
أنا كويس. .نعدى على مدرسة بحر البقر وبعدين نروح نكمل مشوارنا.
ويعاود السائق سيره متعجبا من حالى.
ونمر من أمام المدرسة وأراها لكن تخذلنى إرادتى فلم أستطع النزول من السيارة والألم يفتك صدرى ويعصر روحى عصرا مدمرا..

وأطلب منه السير إلى مقصدنا والسائق يدير رأسه بين لحظة وأخرى يتأملنى والخوف يركبه من حزنى الشديد ويخشى أن أكون مريضا وانا أدارى عليه.
فعلا كنت أعالج من ضغط الدم المرتفع الذى أصابني فى وقت مبكر من عمرى.

وفى الطريق إستجمعت رباطة جأشى وسيطرت على عواطفى ومشاعرى وحكيت للسائق عن مجزرة بحر البقر.. وعن هزيمة 67 الفادحة الرهيبة التي قصمت ظهورنا وحطمت كبرياء وضاع جيشنا.
ويأتى الثامن من إبريل من كل عام وتعاودنى ذكرى استشهاد تلاميذ مدرسة بحر البقر. ..
..
وتستعيد أذناى صوت شاديةوهى تغنى بقوةوحزن شديد قاس وفاجع، كلمات صلاح جاهين.:
الدرس إنتهى
لموا الكراريس. ..........

ذاكرة تأبى النسيان


من منا لايحب السينما؟ ؟؟!!!

أول مرة دخلت السينما بصحبة خالى عبد العزيز، سينما أمير بميدان الساعة..أشهر ميادين طنطا. .كنت فى العاشرة من عمرى في السنة الرابعة الابتدائية.
كان خالى،أخ غير شقيق لأمى تربطهما الأم، من أنجب طلاب وطالبات القرية فى مدرسة الأقباط الثانوية بنين بالسنة الأولى.
إرتديت القميص الحرير المقلم بخطوط ابيض واحمر صغيرة الحجم، طولية وبنطلون أزرق وحزام جلدى أسود وشراب أزرق وحذاء جلدى أسود لامع بقطان أسود.
قامت أمى وجدتى أم أبى بالإشراف على هندامى ولم تنس أمى تمشيط شعرى الطويل بعض الشيء. تمت عملية اللبس بنظام وحوقلتا أمى وجدتى وبسملتا ودعت جدتى وتلت المعوذتين.
وخرجت بصحبة خالى، وأمى تودعنى على الباب بإبتسامة مشرقة وزهو خفى.
دخلنا السينما وجلسنا فى البلكون وهو أغلى مكان وأعلى ثمن.
وفجأة حل الظلام الدامس وبدأت الشاشة البيضاء تنير بالأضواء وبدأ الفيلم الأجنبى ثم يليه الفيلم المصرى.

صمت صامت وسكون عميق والحديث بالهمس وكل جالس على كرسيه مشدود القامة مفتوح العينين والأذنين. .انتباه صارم وجاد وحركة الداخلين بهدوء قاتل. .
جالس كأبى الهول منتبه جدا وسعيد جدا وروحى تنط من الفرحة.
المهم. ..أصبحت السينما، بعد هذا التاريخ الزاهر الباهر مقصدى وهدفى لوحدى أو مع أصدقائى. .فى الأعياد أو المناسبات أو فى أجازة الصيف.

رصيف نمرة 5 ،ابن حميدو، جعلونى مجرما. .فريد شوقى ومحمود المليجى وكوكبة من الممثلين والممثلات ..سعادة مابعدها سعادة .
وبعد خروجنا من باب الترسو الدرجة الثالثة. .
نبدأ فى الحكى واستعادة بعض المشاهد والحركات واللقطات والكلمات ، ونحن نعود إلى القرية سيرا على الأقدام ،ونكاد نطير من الفرح والسرور والحزن.

ذاكرة تأبى النسيان

مهداة إلى الروائى الكبير محسن يونس
.......................
أتذكر فى فترة المراهقة المتأخرة حين كان رأسى يثمل بصور المغامرات ،وسيكون هذا دأبى مستقبلا. .
سأذهب إلى هناك كثيرا. .وأعشق هذه وأكره ذاك وأبكى أحيانا وأبتسم أحيانا أخرى .
سأعيش حرا سعيدا منطلقا إلى سماوات المتعة واللذة
وتبهرنى الأضواء ويمتلأ صدرى بالحماس والنشوة.

وحدى..تقودنى قدماى فى الطريق إلى السينما وترحب بى أشجار النخيل وأشجار الزينة المنتشرة فى الحدائق .
وأسعى فى شارع الجلاء تدفعنى الرغبة في اللحاق بحفلة الساعة السادسة مساء فى سينما أمير. لعرض فيلم عودة الابن الضال للمخرج العظيم يوسف شاهين.
ويوسف شاهين من المخرجين الكبار المحترمين، صاحب قضية كبرى وهدف نبيل وعشق جارف لمصر المحروسة ..لايحب أفلامه أصدقائى ولا زملائى. يصرخون فى وجهى :
ده رجل معقد ولابنفهم منه حاجة !!!
وأتأملهم صامتا ساكنا معقود اللسان.
ولكنى أفهمه جيدا وأتمتع بأفلامه وأحرص على مشاهدتها حين عرضها.

واقف أمام شباك التذاكر. .طالبا تذكرة فى الصالة وادخل فرحا مسرورا، فالصالة بها أعداد قليلة منتشرة فى المقاعد، وتعلونى إبتسامة وكأنى سأشاهد الفيلم وحدى دون ضجيج من الدرجة الثالثة، الترسو.
كنت أدخلها مع أصدقائى لمشاهدة أفلام ملك الترسو فريد شوقى والذين معه، وأصوات المتفرجين صارخة تهيب بالبطل فريد شوقى ألا يدخل المنزل فالعصابة تنتظره للفتك به وتمزيقه شر ممزق.
وتختفي الأضواء ويعم الظلام الدامس. .ويبدأ عرض الفيلم الأجنبى. .ثم تبدأ الإستراحة وبعدها يبدأ عرض فيلم عودة الابن الضال. وسط سكون قاتل وهدوء حذر. .فالمتفرجون قليلون فى الصالة والبلكون واللوج وقلة موجودة فى الترسو ،لا صوت لهم ولاحركة.
وأكتم أنفاسى ..عيناى مصوبتان على الشاشة ورأسى ثابت وظهرى مستقيم وعقلى يسبح مع الأحداث متابعا ألا تفوته لقطة أو تغمض عليه كلمة أوتشرد منه حركة.
قمة الانتباه والتركيز والتفاعل. .
فمن أراد أن يشاهد أفلام يوسف شاهين أن يكون مستعدا تمام الاستعداد، فمثله لا يلقى القول جزافا أو يقدم لقطة غير مدروسة أو غيرهادفة . يعرف ماذا يكتب ويعرف ماذا يقدم. .صاحب رؤية وقضية يطرحها ويدافع عنها.

وتأسرنى اللقطات المبهرة والتصوير المتقن المحكم والحوار بين محمود المليجى وماجدة الرومى، فاتنتى وحبيبتى ومطربتى الأثيرة، وتصعد روحى مع الأحداث. .وتأتى النهاية.
ساعات أقوم من النوم قلبى حزين.
وأردد مع ماجدة الرومى باكيا ماحدث لنا من هزيمة مرة مريرة فى 67.
فى الصيف السابع والستين. .الذى لم ينته من تاريخنا طعمه المر المريروآثاره المدمرة الماحقة ،حتى اللحظة.

ذاكرة تأبى النسيان


مهداة إلى السيد الأستاذ الدكتور محمود غنايم
_______________________________

قريتنا تقع على الطريق الزراعى وهى المدخل من الطريق السريع ،القاهرة - أسكندرية ،إلى السنطة وزفتى .
وقرية البندرة.. التى ولد فيها وتربى الروائى الراحل الكبير عبدالحكيم قاسم ..من قرى مركز السنطة وروايته الفارقة ،أيام الإنسان السبعة ، كنت أعيشها عيشة حقيقية وكنت أساعد فى كل مايقوم به الكبار والمريدون من أصحاب الطريقة الصوفية ..

وأثناء المولد الأحمدى "شيخ العرب سيدى أحمد البدوى "أصاحب جدتى أم أمى، وهى من عائلة منسّبة إلى أسرة سيدنا على رضى الله عنه ،هكذا سمعت من والد جدتى .
فقد كانت لهم طريقة صوفية تنتهى إلى الطريقة الشاذلية وعند حلول ميلاد شيح العرب سيدى أحمد البدوى ..يتم عمل العيش والفطائر وكميات العدس واللحوم والدقة "عبارة عن ملح مطحون مضاف إليه فلفل مطحون ودقيق محروق كالردة " ثم يتم نقل هذه المواد جميعها فى سحارات خشبية ويتم إستئجار منزل بجوار المسجد الأحمدى وإقامة سرادق ضخم لإستقبال الزائرين ومد الموائد لهم مجانا وأكواب القرفة طوال فترة المولد ويسمونها الخدمة وهى تطوعية لمن شاء لخدمة زوار المولد الأحمدى رضى الله عنه .
وخلال فترة أيام المولد تصبح مدينة طنطا كعبة الزوار من أقاليم مصر وقراها بل وزوار من بلاد عربية وأجنبية ،فهو سوق ضخم تنتظره مدينة طنطا وتجارها وأهلها من العام للعام بشوق وإشتياق ولهفة وفى الليلة الختامية تحصل جميع المدارس على إجازة رسمية .
وحتى العام الفائت 2015م ذهبت إلى الساحة الكبرى فى الليلة الختامية وتجولت وأصدقائى وأولادنا بين السرادقات الضخمية لسماع الإنشاد الدينى ومص القصب وركوب الملاخى والمرجيح وتناول الحلوى وشرب القرفة وشراء الطراطير الملونة والزمامير والحمص وحب العزيز.

كما وأنه أثناء شهر رمضان تقام حلقات الذكر أمام البيت بقريتنا ميت حبيش البحرية ،تحت شجرة التوت ،أذهب بصحبة جدتى كى أرى والد جدتى.
قطب من الأقطاب،مشرقٌ وجهه بالنور، جالس فى صدر المجلس، فى حجرة كبيرة يلتف حوله المريدون والزوار وتدور عليهم صينية مرصوصا عليها أكواب القرفة الحريفة الطعم ورائحة البخور تملأ الحجرة وتنتشر فى حجرات البيت.
ولايدخل عليه أحد المريدين أو الزوار إلا وانحنى على يده مقبلاً إياها بسكينة وتوقير .
البيت مزدحم بالمريدين والمريدات والزائرات والزوار وأمام البيت تفرش الأبسطة الصوفية ويتراص عليها الرجال والشباب فى صفوف متقابلة .
بعد لحظات يخرج عليهم الشيخ الكبير ،فتعلو أصواتهم بذكر الله .
ويبدأ المنشد فى ترديد مقطع
من قصيدة الإمام البوصيرى البردة .

مولاي صلــــي وسلــــم دائمـــاً أبــــدا علـــى حبيبــــك خيــر الخلق كلهـم
محمد سيد الكونين والثقليـ ـن والفريقين من عرب ومن عجمِ
نبينا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ أبر في قولِ لا منه ولا نعم
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته لكل هولٍ من الأهوال مقتحم
دعا إلى الله فالمستمسكون به مستمسكون بحبلٍ غير منفصم
فاق النبيين في خلقٍ وفي خُلُقٍ ولم يدانوه في علمٍ ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمسٌ غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ
وواقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
فهوالذي تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسم
منزهٌ عن شريكٍ في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
دع ما ادعثه النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف وانسب إلى قدره ماشئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم
مولاي صلــــي وسلــــم دائمـــاً أبــــدا علـــى حبيبــــك خيــر الخلق كلهـم

وأردد وراء المنشد هذه الأبيات محاولاً حفظها والتغنى بها .
وبعد أن ينتهى المنشد من إلقائه الجميل الرائع ..يهم الشيخ الكبيرواقفاً ويتبعه المريدون والزوار ،كى تبدأ حلقة الذكر ويرددون "الله حى .الله حى "
كنت وأصدقائى صغاراً لانقدر على الانضمام فى هذه الصفوف ،فنجلس على الأرض بعيداً عنهم نراقبهم وهم يتطوحون ، حتى تأخذ أحدهم الجلالة ،فنراه وكأنه يطير فلايدرى بما حوله ويردد بقوة "الله حى" .
وفجأة يقع على الأرض مما يستدعى تهدئة حلقة الذكر قليلاً ،فقد لحق به آخرون وتساقطوا على الأرض وهم يرددون :"الله حى ".