بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 30 نوفمبر 2014

غواية العشق ووهم الوصال (استهلال)

استهلالٌ


منذ أن رحلت أختي "قمـر" و اختفت تلك البسمة التي كانت تلاقيني بوهن في أواخر الليل و أنا عائد من سهرة مع الشباب أو إجتماع مع الرفاق.
وفقد النهار خصلات ذهبية من شمسه و امتلأ الليل بضياء القمرين ...

أهو الوهمٌ نعيشه أم الكذب نزعمه فننحى الموت عن تفكيرنا ونطرحه جانباً، نرهبه ونخشاه ونكرهه . ألسنا نحن عابرون ، مجرد أعداد عابرة في هذه الحياة..؟؟

غرورنا يُزيّن لنا عبورنا المؤقت على أنه إقامة . ذهولنا أمام الموت يجعله خلودا.

كما أن الإنسان يُمعن فى مراوغة الموت ناشداً إقصاءه ، نرى الموت بدوره يُمعن فى الظهور والتجلى .

ها هو الموت يستيقظ فى داخلى كنشيد نسيته منذ زمن .
بل إن هذا النشيد الصاعد من أعماق النسيان ،هو الآن يخترقنى وينساب عبر صحراء روحى ويغمرنى بنور فياض.

و أرى ابتسامة أختي ،قمـر، يتثاءب في دمعة الصباح



نحـن و المـوت

من الأمورالجادة التى تنال اهتماماً واضحاً ودراسات متعمقة ، مسألة الموت ،هذا المترصد والمرصود للجنس البشرى والنهاية المحتومة التي يأخذنا إليها مهما طال العمر و امتد الأجل ، تبقى شغل الإنسان الشاغل .
.
لقد قرأت أبحاثاً ودراسات وأشعاراً وقصصاً وملاحم وروايات عن نهاية البشرية يضيق المكان عن سردها ، وآخر دراسة متفردة تتكلم عن الموت ، وجدته في سفر ضخم ، أصدره المجلس الأعلى للثقافة بمصر ، بترجمة جيدة جداً للأديب الكبير / بدر الديب بعنوان :الموت والوجود.جيمس .ب.كارس،الكتاب رقم 29المشروع القومى للترجمة ، مصر .

كما سبق لى قراءة دراسة ممتازة (الموت فى الفكر الغربى) تأليف /جاك شورون و ترجمة /كامل يوسف حسين ،مراجعة وتقديم د/إمام عبدالفتاح إمام ، الكتاب رقم 76،إبريل 1984م ، عالم المعرفة ،الكويت .
قلق الموت ،تأليف د/أحمد محمد عبدالخالق ،عالم المعرفة ،الكويت ،رقم 111 .مارس 1987م.

أصبح هاجس قلق الموت من خلال الدراسات الميدانية و البحوث الإمبيريقية محط اهتمام الباحثين العرب.

وبما أن الموت كان و لا يزال و سيبقى مصدراً مثيراً للبحث فى شتى مجالات العلوم المختلفة ، نرى أن علم دراسة الموت والاحتضار فى العقود الأخيرة ، أصبح مقرراً فى الجامعات المختلفة .

وإذا كان الموت من القضايا التى تَوَقَف حيالها الإنسان مفكراً ومندهشاً ومكتوف الأيدى لا يملك سوى الصمت الأبدى والدهشة المستمرة والحيرة الطويلة والتساؤل المرير ، نراه لا يفقد محاولة مقاومة الفناء بالإبداع الحضارى عبر العصور المختلفة .

المعابد الشامخة والملاحم الخالدة والأشعار والقصص والدراسات التى ما زلنا ننهل منها حتى الآن ، كلها تُجسد مدى تأثير فكرة الموت على الإنسان في حياته اليومية .

كتاب الموتى من التراث المصرى القديم، من أرق وأعمق ماكتب عن الموت والإستعداد له .

عبر التاريخ الإنسانى الضارب الجذور فى القدم والذى يكتنفه الغموض، تبدو الومضات المتلألئة للإبداع الإنسانى ، الإلياذة والإوديسا لهوميروس ،وتناسخ الكائنات لإوفيد ،والإينيادة لفرجيل ،وجلجاميش ،ورسالة الغفران للمعرى ، والكوميديا الإلهية لدانتى ،والفردوس المفقود لملتون .
 هذه الشوامخ الإبداعية، تراث الإنسانية العريق.

كنت أتساءل، دوماً ،ومنذ نعومة أظافرى ومصاحبتى لوالدى رحمة الله عليه وحضورى معه جنازات الأهل والأصدقاء ،
وهذا الصمت الطويل الذى يعقد الألسنة ألا تتكلم ،
وهذا السكون العميق الذى يملأ المقابر ،وهذا الجلال المقدس الذى يحيط بالموت.
كنت أهمس لنفسى ،آنذاك ،وأنا ألتفت لأرى المشيعين والواقفين بخشوع حول المقابر حتى يتوارى الجثمان فى جوف المقبرة .
هل هذا الصمت هو تواصل مع الميت الذى واره التراب؟
هل هو تضامن معه ومشاركة إياه فى لحده الأبدى ؟
هل هو الخوف من النهايةالمرتقبة ؟



كنت صغيراً لكن السؤال لم يمت بداخلى رغم مرور الأيام وتوالى الأعوام.كنت مشغولاً بالموت ومهموماً به،لكن القرآن الكريم ملاذى الآمن ومستقرى الأمين ، أعود إليه مرتلاً وحافظاً ومجوداً ، يقينى الذى لايتزعزع وإيمانى بحياة أخرى بعد الممات.


و من هنا بدأت رحلتي مع فلاح بوهيميا و حواره مع الموت ، وكنت معه فلاحا مصرياً من طنطا أستكنه مايدور فى نفسه وما يعتمل بفكره و قلت لنفسى الموت علينا حق ومن التراب إلى التراب نعود ولمن الملك اليوم ؟؟ لله الواحد القهار ...
وبصراحة وجدت فى هذا الحوار قضية من أروع وأعظم الأقضية التى تُطرح فى ساحة القضاء .

فالقضية أى قضية لابد من وجود متهم ومجنى عليه ومواد العقاب ، و من ثم فلابد من تقديم صحيفة الإتهام ثم الدفاع من المتهم والمجنى عليه
وتقديم المستندات الدالة على صدق الإتهام من المجنى عليه وتقديم
المتهم للمستندات التى تنفى صحة ماتم تقديمه والرد عليها ثم حجز القضية لإصدار الحكم .


و لعل دراسة القانون والتعامل مع مشاكل الناس وهمومهم لا تفتأ تُلقى بظلها الرمادى على حياتى فأجد زوجتى وأولادى وأهلى يحاولون الإختصار فى الكلام عن مطالبهم وشكواهم ، لأن رحابة الصدر واتساع الأفق لم يعودا جاهزين لسماع الحديث الممل وبلا طائل ، و هدا ما جعل من المحكمة الدائرة بين فلاح بوهيميا و بين الموت منفساً يشغلني عن القضايا اليومية في مكتب العمل .




غمغمات الحروف المنكسرة


فلاح بوهيميا ،هذا الذى أطار صوابه موت حبيبته وزوجته وأفقده الصبر وأضاع الحكمة وزعزع يقين روحه وألهج لسانه بالشكوى المرة من الموت وشن حرب شعواء ، لم يسكت كما سكت الملايين من البشر ، لم يصمت ويتشح بسواد الكلمات وهمهمات النفس الملتاعة والحزينة وغمغمات الحروف المنكسرة وانكسارالروح ، وإنما أقام محاكمة هى الأولى من نوعها فى التاريخ الإنسانى ليترافع فيها ضد الموت وقدم أسانيد الإدانة ونصوص الإتهام والجريمة الشنعاء لما اقترفه الموت فى حقه بأخذ رفيقته وحبيبته من الحياة ، ثم دفاع الموت عن نفسه لما أقدم عليه ...........
إنها محاكمة غير مسبوقة فى تاريخ الإنسان.

عبرإثنين وثلاثين حديث (مرافعة ) يتداولها فلاح بوهيميا والموت إتهاماً ودفاعاً ، يأتى وفى الختام ،الحكم القاطع والجازم من الله عز وجل . ثم لايجد فلاح بوهيميا سوى الصلاة والدعاء على روح زوجته بأعظم الكلمات وأعمق المشاعر ولهاث الحزن الفوار الساكن بروحه .

هذا الحوار الدائر بين أكرمان والموت ،من الأعمال التى أخذت بأنفاسى وشدتنى إليه شداً ،أقرأه كلما إدلمهت بروحى الكأبة وكلما تصاعد الحزن بقلبى وكلما فُجعت بموت صديق أوقريب ،ألعن الموت وأسبه وأرفع فى وجهه السيوف والرماح ،وعندما أصل إلى الختام أسكت وتشملنى رعدة تهز أطرافى ،وتتملك كلماتى السكينة ،وتطل من رأسى كلمات الغفران وأهتف صارخاً معنفاً هواجسى :إيه يانفسى ورحمة بى ياروحى .....الأجل قريب والموت بالمرصاد .

وأتذكر محمد إقبال وهو يقول :أنا لا أخشى الموت ،أنا مسلم ،ومن شأن المسلم أن يستقبل الموت مبتسماً.











السبت، 29 نوفمبر 2014

طوق الحمامة The Ring of the Dove

الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جد،دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف،فلاتدرك حقيقتها إلا بالمعاناة،وليس بمنكر فى الديانة ،ولابمحظور فى الشريعة ،إذ القلوب بيد الله عز وجل "
هكذ قال الأديب العالم الفقيه ابن حزم الأندلسى فى كتابه العظيم "طوق الحمامة فى الإلفة والإلاّف".

وهذا لعمرى من الدراسات الفارقة فى الحب وأروع دراسة وأعمقها كتبها هذا العالم الجليل طيّب الله ثراه.
ويشرح "والحب - أعزك الله-داء عياء ،وفيه الدواء منه على قدر المعاملة ،ومقام مستلذ،وعلة مشتهاه ،لايود سليمها البرء 

،ولايتمنى عليلها الإفاقة.يزين للمرءماكان يأنف منه،ويسهل عليه ماكان يصعب تصديقه عنده ،حتى يحيل الطباع المركبة ،

والجبلة المخلوقة
 "

وصدق الشاعر إذ يقول "

قالوا عشقت فقلت كم من فتنة لم تغن فيها حكمة الحكماء

إن الذى خلق الملاحة لم يشأ إلا شقائى فى الهوى وبلائى
وقال آخر :
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه و لكن من يبصر جفونك يعشق
وقول الشريف الرضى :

أنت النعيم لقلبي و العذاب له فما أمرّك في قلبي و أحلاك
وسلطان الحب على العشاق قادر ،وقلّ أن يفيق منه ،إنما هو روح تسرى فى الأبدان ودماء تجرى فى العروق.

وقال رجلُ لعمر بن الخطاب رضى الله عنه :يا أمير المؤمنين إنى رأيت إمراة فعشقتها .فقال عمر :ذلك مما لا يملك.
ويقول الفضيل بن عياض :لو رزقنى الله الله دعوة مجابة لدعوت الله أن يغفر للعشاق لأن حركاتهم اضطرارية.
ويؤكد ذلك القاضى أبو عمر النونانى فى كتابه" تحفة الظراف:

"العشاق معذورون على كل حال ،مغفور لهم فى جميع الأفعال والأقوال .

إذ العشق إنما دعاهم على غير اختيار .بل اعتراهم على جبر واضطرار .

والمرء إنما يلام على مايستطيع من الأمور لا فى المقضى عليه والمقدور"

وما ورد عن الحسين بن الحلاج :

والله ماطلعت شمس ولاغربت إلا واسمك مقرون بأنفاسى

ولاجلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثى بين جلاسى

ولاشربت الماء من ظمأ إلا وصورة منك فى الكاس

ولا ذكرتك محزوناً ولافرحاً إلا وأنت بقلبى بين وسواسى

ولو قدرت على الإتيان جئتكمو سعياً على الوجه أو مشياً على الراس



العشاق والمحبون ،من عمق التاريخ ، لايهدؤون وشعلة العشق والحب متأججة فى قلوبهم ،فهى صلوات فى هيكل الحب ،يحفظونها وويقدسونها ويتلونها ليل نهار .
ومن عمق التاريخ .. يأتينا صوت الحضارة المصرية الخالدة المشرقة الزاهرة ،مهما توالت القرون ..
إنها فجر الضمير .
ومن كتابات عالم المصريات العملاق الدكتور سليم حسن، ومن الجزء الثامن عشر من موسوعته الرائدة والفارقة فى "مصر القديمة" أختار من بردية شستر بيتى "أغانى غزلية " المقطوعة الرابعة التى ترجمها .

لنقرأ ماذا تقول الحبيبة :

إن قلبى يخفق سريعاً،

عندما أذكر حبى لك،

ولايجعلنى أسير كبنى الإنسان،

بل أفزع من مكانه،

ولايجعلنى أتزين بلباس، 

أو أتحلى بمروحتى.

إنى لا أضع كحلاً فى عينى ،

ولا أعطر نفسى قط .

(
لاتنتظرى بل عودى إلى البيت

هكذا يحدثنى غالباً قلبى كلما ذكرته.

لاتلعبن دور المجنون ياقلبى ؛

لماذا تلعب دور الرجل المخبول ؟

اهدأ إلى أن يأتى لك المحبوب .

ياعينى ....؟

ولاتجعلن القوم يقولون عنى ،

إنها إمرأة قد أقعدها الحب.

كن ثابتاً كلما ذكرته،

أنت ياقلبى،

ولاترخين له العنان"



قمع الهوى 
كنت فى بداية نضجى وفى سنى المراهقة ،ولم أكمل بعد العشرين وتعلقت ببنت الجيران تعلقا ملك على حواسى وتحدثت معها وصارت المشاعر بيننا بحرا عذبا ووهجا متألقا ، والأشعار الرومانسية لإبراهيم ناجى ومدرسة أبولو الوجدانية ومدرسة المهجر وجبران خليل جبران وحفظت أشعارا كثيرة عن الحب وقرأت مئات بل آلاف قصص الحب والروايات العالمية لكل أدباء العالم وأتذكر كم عانيت من قسوة المشاعر والأحاسيس الغضة الخضراء.
نظرا لظروف المجتمع الريفى والتربية الدينية والأخلاق الحميدة لم أستطع تعميق هذه العلاقة، وظلت علاقة ود وتبادل عواطف فى إطار المشروع من التصرفات والمتعارف عليهاوالمعاملة بين الأهل والجيران سيما وأنها تمت بقرابة لأمى.
أعتقد أن هذه المشاعر ترسبت فى حياتى آنذاك وأخذت بيدى إلى أن المتاح من العلاقات لايكفى لظهورها حيز النور ولابد من وأدها فى مهدها وإلا الثورة والإنقلابات والتقاتل بين الأسر والعائلات . حافظت من جهتى على سرية العلاقة ولم أغامر بظهورها وكذلك هى ،فكلانا يعرف جيدا النهاية المؤسفة لو حدث وتسرب خبر العلاقة ،بصراحة كتمت المشاعر وخنقتها خنقا ،وقلت لايمكن البوح بها إلا على الورق والكتابة والإنغماس أكثر وأكثر فى القراءة والتثقيف والتعليم .وحصلت على الثانوية العامة وبدون تفكيراخترت كلية الحقوق جامعة القاهرة وتحملى مشقة السفروالغربة عن الأهل والصحاب ، رغم أن كل زملائى إختاروا كليات بجامعة طنطا . 
وفوجئت فى يوم من الأيام بأخيها يخبرنى بخطبة أخته على فلان قريب لى وله ،وأنهم قرأوا الفاتحة من أسبوع أو أكثر .
الحق أقول : غامت عيناى بالدموع وتلجلج لسانى وشعرت بتهاوى قلبى ولم أنبس ببنت شفة . ومرت سنة أو أكثر، وعقد القران وتحددت ليلة الزفاف وحضرت الفرح وأنا غاضب من قلبى الذى أوردنى هذا المورد الصعب والإيذاء النفسى الجسيم .وكانت الغربة من المجتمع والناس وقلبى الذى أخرسته وألجمته وأغلقت عليه باباً صعب الإقتراب منه أو المرور أمامه . ولم أحاول مستقبلاًخوض غمار معارك الحب،خشية من مصارع العشاق.
سأسمى هذا الحب الذى أقبل علىَ إبان مراهقتى (حب جامح) لأنه سيطر سيطرة كاملة وهيمن هيمنة أخذت بخناقى ، واجتاح كيانى وسلب أنفاسى
سأمسك نفسى عن الكلام العاطفى وأحكم بالعقل والمنطق على تجربتى الشبابية.

أتصور وأنا فى نهاية العقد السادس من العمر ، أن الحب هو أشياء كثيرة وعواطف وانفعالات شتى ، بل أحيانا يصبح غير مفهوم 
وأتذكر هذين البيتن :
إنى أحبك حبا ليس يبلغه ** فهم ولاينتهى وصفُ إلى صفته
أقصى نهاية علمى فيه معرفتى ** بالعجز منى ، عن إدراك معرفته

اليوم :
أحاول تشريح مفهوم هذه العلاقة وأتبين ظروفها ومحتواها وخصائصها والدوافع التى أملتها والغاية منها يتبين لى الآتى :
إنه إندفاع محموم .
إنه نار شبت فى كيانى .
إنه رغبة وشهوة .
إنه أتى إلىَ عفويا ، دخل بقوة وعنف وبدون إستئذان.
إنه إمتد فترة طويلة ثم صار شاحبا وضعيفا وهزيلا.
إنه ترك فىَ ندوبا وجروحا وانكسارا وآلاما لاتنسى.

بل أتذكر سوفوكليس المسرحى اليونانى الأعظم يقول :
الحب ليس وحده الحب .
ولكن اسمه يخفى فى ثناياه أسماء أخرى متعددة .
إنه الموت والقوة التى لاتحول ولاتزول .
إنه الشهوة المحض،الجنون العاصف والنواح.

وأتجاوز بالقول قليلا وأتقدم بحرص شديد وحذر أشد :

هل تختلف تجربة المرأة عن الرجل إذا ما صادف الحب قلبها؟


للحب علامات . 

صفحات من كتاب " طوق الحمامة في الألفة والأُلاَّف" لابن حزم الأندلسى 

"للحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي . فأولها إدمان النظر والعين باب النفس الشارع ، وهي المنقبة عن سرائرها ، والمعبرة لضمائرها ، والمعربة عن بواطنها . فترى الناظر لا يطرف ، ينتقل بتنقل المحبوب ، وينزوي بإنزواءه ، ويميل حيث مال .
ومنها علامات متضادة وهي على قدر الدواعي ، والعوارض الباعثة والأسباب المحركة والخواطر المهيجة . والأضداد أنداد ، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها ووقفت في انتهاء حدود اختلافها تشابهت ، قدرة من الله عز وجل تضل فيها الأوهام . فهذا الثلج إذا أُدمن حبسه في اليد فعل فعل النار ، ونجد الفرح إذا أفرط قتل ، والغم إذا أفرط قتل ، والضحك إذا كثر واشتد ، أسال الدمع من العينين . وهذا في العالم كثير ، فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما شديداً ، كثر تهاجرهما بغير معنى ، وتضادهما في القول تعمداً ، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور ، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه ، وتأولها على غير معناها ، كل هذا تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه .
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة ، المضادة المتولدة عن الشحناء ومحارجة التشاجر ، سرعة الرضى ، فإنك بينما ترى المحبين قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره ، يصلح عند الساكن النفس ، السالم من الأحقاد في الزمن الطويل ، ولا ينجز عند الحقود أبداً ، فلا تلبث أن تراهما ، قد عادا إلى أجمل الصحبة ، وأهدرت المعاتبة ، وسقط الخلاف ، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة ، هكذا في الوقت مراراً . وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك ، ولا يدخلنك ريبة البتة ، ولا تتمار في أن بينهما سراً من الحب دفيناً ، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف .ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة . هذا لا يكون إلا عن تكافٍ في المودة وائتلاف صحيح .
ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي سماع اسم من يحب ، ويستلذ الكلام في أخبارة ويجعلها هجيراه ، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها ، ولا ينهنهه عن ذلك تخوف أن يفطن السامع ويفهم الحاضر .
- ومن وجوه العشق : الوصل ، وهوحظ رفيع ، ومرتبة سرية ، ودرجة عالية ، وسعد طالع ، بل هو الحياة المجددة والعيش السني ، والسرور الدائم ، ورحمة من الله عظيمة . ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر ، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره ، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه ، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه ، وكمال الأماني ، ومنهى الأراجي .
ولقد جربت اللذات على تصرفها ، وأدركت الحظوظ على اختلافها ، فما للدنو من السلطان ، ولا المال المستفاد ، ولا الوجود بعد العدم ، ولا الأوبة بعد طول الغيبة ، ولا الأمن بعد الخوف ، ولا التروح على المال ، من الموقع في النفس ما للوصل ، ولا سيما بعد طول الامتناع ، وحلول الهجر ، حتى يتأجج عليه الجوى ، ويتوقد لهيب الشوق ، وتتضرم نار الرجاء . وما إصناف النبات بعد غِب القطر ، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج ، ولا خرير المياة المتخللة لأفانين النوار ، ولا تأنق القصور البيض ، قد أحدقت بها الرياض الخضر ، بأحسن من وصل حبيب قد رُضيت أخلاقه ، وحُمدت غرائزه ، وتقابلت في الحسن أوصافه ، وأنه لمعجز ألسنة البلغاء ، ومقصر فيه بيان الفصحاء ، وعنده تطيش الألباب ، وتعزب الأفهام وفي ذلك أقول :
وسائل لي عما لي من العمر : وقد رأى الشيب في الفوْدين والعذر
أجبته : ساعة لا شيء أحسبه : عمراً سواها بحكم العقل والنظر
فقال لي : كيف ذا بينه لي فلقد : أخبرتني أشنع الأنباء والخبر
فقلت : إن التي قلبي بها عَلِقٌ : قبلتها قبلة يوم على خطر
فما أعد ولو طالت سِنِي سوى : تلك السويعة بالتحقيق من عمري "
 
 
من فرط إعجابى بكتاب طوق الحمامة ..أنقل هذه الدرر عن العشق بالوصف دون المعاينة.ضبط نصه وحرر هوامشه : الدكتور الطاهر أحمد مكيص39،38 طبعة دار المعارف المصرية الطبعة الرابعة ،منقحة، 1985م


مختارات من طوق الحمامة فى الألفة والألاف


(4)
باب من أحب بالوصف

و من غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة ، و هذا أمر يترقى منه إلى جميع الحب ، فتكون المراسلة و المكاتبة ، و الهم و الوجد ، و السهر على غير الإبصار ، فن للحكايات و نعت المحاسن ، و وصف الأخبار ، تأثيرا في النفس ظاهرا .
و أن تسمع نغمتها من وراء جدار ، فيكون سببا للحب و اشتغال البال.

و هذا كله قد وقع لغير ما واحد ، و لكنه عندي بنيان عار على غير أساس ، و ذلك أن الذي أفرغ ذهنه في غير هوى من لم ير لا بد له إذ يخلو بفكره أن يمثل لنفسه صورة يتوهمها ، و عينا يقيمها نصب ضميره ، لا يتمثل في هاجسه غيرها ، قد مال بوهمه نحوها ، فإن وقعت المعاينة يوما ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية. 
و كلا الوجهين قد عرض و عرف ، و أكثر ما يقع هذا في ربات القصور ، المحجوبات من أهل البيوتات مع أقاربهن من الرجال ، و حب النساء في هذا أثبت من حب الرجال ، لضعفهن و سرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن ، و تمكنه منهن.


و في ذلك أقول شعرا ، منه :

و يا من لا مني في حب من لم يره طرفيلقد أفرطت في وصفك لي في الحب بالضعف
فقل : هل تعرف الجنة يوما بسوى الوصف

و أقول شعرا في استحسان النغمة دون وقوع العين على العيان منه :
قد حل جيش الغرام سمعي ***و هو على مقلتي يبدو

و أقول أيضا في مخالفة الحقيقة لظن المحبوب عند وقوع الرؤية :
وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما*** وصفوا علمت بأنه هذيان
فالطبل جلد فارغ و طنينه*** يرتاع منه و يفرق الإنسان

و في ضد هذا أقول :
لقد وصفوا لي حتى التقينا*** فصار الظن حقا في العيان
فأوصاف الجنان مقصرات ***على التحقيق عن قدر الجنان

و إن هذه الأحوال بين الأصدقاء و الإخوان ، و عني أحدث.
*خبر : 
إنه كان بيني و بين رجل من الأشراف ودّ و كيد ، و خطاب كثير ، و ما ترامينا قط ، ثم منح الله لي لقاءه ، فما مرت إلا أيام قلائل حتى وقعت لنا منافرة عظيمة و وحشة شديدة متصلة إلى الآن ، فقلت في ذلك قطعة ، منها :
أبدلت أشخاصنا كرها و فرط ***كما الصحائف قد يبدلن بالنسخ
و وقع لي ضد هذا مع أبي عامر بن أبي عامر ( 1 ) رحمة الله عليه . فإني كنت له على كراهة صحيحة و هو لي كذلك ، و لم يرني و لا رأيته ، و كان أصل ذلك تنقيلا يحمل إليه عني و إلي عنه ، و يؤكده انحراف بين أبوينا لتنافسهما فيما كانا فيه من صحبة لسلطان ، و وجاهة الدنيا. ثم وفق الله الاجتماع به فصار لي أو الناس ، و صرت له كذلك ، إلى أن حال الموت بيننا.
و في ذلك أقول قطعة ، منها :
أخ لي كسّبنيه اللقاء ***و أوجدني فيه علقا شريفاو قد كنت أكره من الجوار*** و ما كنت أرغبه لي أليفا
و كان البغيض فصار الحبيب *** و كان الثقيل فصار الخفيفا 
و قد كنت أدمن عنه الوجيف*** فصرت أديم إليه الوجيفا

و أما أبو شاكر عبدالرحمن بن محمد القبري ( 2 ) فكان لي صديقا مدة على غير رؤية ، ثم التقينا فتأكدت المودة و اتصلت و تمادت إلى الآن.
هوامش :1– الحديث أكيدا عن ابن لعبد الملك المظفر ، و ينفي أننا بصدد المظفر نفسه فارق السن بينه و بين ابن حزم ، فلقد كان والد ابن حزم و المظفر نفسه في خدمة هشام الثاني المؤيد ، كما يفهم ذلك من كلام المؤلف.
2 – ترجم له الضبي في كتابه ( البغية ) الترجمة رقم 1107 ، و أورد اسمه كاملا : عبدالواحد ( بدلا من عبدالرحمن ) بن محمد بن موهب بن محمد التجيبي ، أبو شاكر ، و يعرف بابن القبري. و قال إنه فقيه محدث أديب خطيب ، نشأ بقرطبة و سكن شاطبة ، و ولى الأحكام بها ، و أورد له الضبي ، برواية ابن حزم ، أبياتا من الشعر ، و ذكر أنه توفي عام 456 هـ = 1064 م .
 
 
قلت ذات يوم 

(1)
فى 20/7/2005م كتبت هذه السطور .

ابن حزم الأندلسى . . رائد أدب الإعترافات والسيرة الذاتية 

"كان طوق الحمامة أروع كتاب درس الحب فى العصر الوسيط ،فى الشرق والغرب ،فى العالمين الإسلامى والمسيحى ،تتبع أطواره ،وحلل عناصره ،وجمع بين الفكرة المفلسفة والواقع التاريخى ،وواجه أدق قضاياه فى وضوح وصراحة ،وكان ابن حزم الدارس الواقعى فى كل خطاه ،أفكاره محلقة ،وقدماه على الأرض ،ويصدر فى نظرته عن تجربة عميقة ،ذات أبعاد إنسانية واسعة ،وعن إدراك ذكى لطبائع البشر وسير الحياة ،فجاءت نتائجه صادقة ، لما ًتفقد بريقها ولا توهجها ، وإنها لتقف الآن فى مستوى أرقى الدرا سات عن الجنس والحب ".

هذا التقديم المشوق والحاسم ، لرائعة الإمام الفقيه إبن حزم الأندلسى "طوق الحمامة فى الإلفة والألاُف "للدكتور الطاهر أحمد مكى ، جعلنى مبهورا بهذا الكتاب وكثيراً ما أطالعه وأحرص على ذلك ،وأردد بعض أبياته ونثره السلس فى شبابى الغض ، ولاأنسى تعريفه للحب 
"
الحب -أعزك الله-أوله هزل وآخره جد.دقَت معانيه لجلالتها عن أن توصف ،فلاتدرك حقيقتها إلا بالمعاناة ,وليس بمنكر فى الديانة ، ولابمحظور فى الشريعة،إذ القلوب بيدالله عز وجل ."
بل أننى أؤكد لنفسى ،دائماً وأبداً، على أن هذا العبقرى العظيم وصاحب المذهب الظاهرى فى الدراسات الفقهية وكتابه العمدة "
الإحكام فى أصول الأحكام"، وكتابه الأروع والأعمق والأخلد "الأخلاق والسير فى مداواة النفوس "الذى كتبه فى أخريات حياته ،تاركا تجربته وذكرياته وكان أصدق مايكون وأعمق وأخلص لضميره وأنقى لروحه وإعترافاته الجريئة بحلو حياته ومرها ،بل أحيانا أ قول وأحسبنى متزيدا فى القول ،أن أدب الإعترافات والسير الذاتية ، كان رائده وبلامنازع ، ابن حزم الأندلسى وأذكر بعضاً من هذا الكتاب المتفرد"تطلبت غرضا يستوى الناس كلهم فى استحسانه،وفى طلبه ، فلم أجده إلا واحدا،وهو طرد الهَم.فلما تدبرته علمت أنَ الناس كلهم لم يستووا فىإحسانه فقط، ولا فى طلبه فقط،ولكنى رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم ،وتباين هممهم وإرادتهم،لايتحركون حركة أصلا إلا فيما يرجون به طرد الهم ،ولاينطقون بكلمة أصلا إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم ، فمن مخطىء وجه سبيله، ومن مقارب للخطا، ومن مصيب وهو الأقل من الناس ، فى الأقل من أموره، فطرد الهَم مذهب قد اتفقت الأمم كلها،مذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداءويعاقبه عالم الحساب ،"
وإذا كنت قد استرسلت وبعدت قليلاًعن طوق الحمامة إلا أننى أعود وبسرعة إليه فهو مقصدى الذى أغوص فيه كى أمسك بجواهره النادرة وهو يؤكدالصدق ويقول ابن حزم "
ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيرى ، لأنى ربيت فى حجورهن ، ونشأت بين أيديهن،ولم أعرف غيرهن ،ولا جالست الرجال إلاَوأنا فى حد الشباب،وحين تفيَل وجهى، وهن علمننى القرآن ،ورويننى كثيراً من الأشعار ،ودربننى فى الخط،ولم يكن وكدى، وإعمال ذهنى مذ أول فهمى ، وأنا فى سن الطفولة جداً ،إلاَتعرف أسبابهن،والبحث عن أخبارهن ،وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئا مما أراه منهن،و أصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها، وسؤ ظن فى جهتهن فطرت به ."
وبصراحة لا مواربة فيها ،أعتقد أن هذا الكتاب قد أمسك بتلابيب عقلى سنوات طوال ومازال ،إذ أننى وكلما طالعته أجد فيه جديدأ ، وهكذا يكون الخلود والتفرد على مدى العصور،لكتب ودراسات وآراء الفقيه العظيم الإمام ابن حزم الأندلسى ، رحمه الله وأدخله فسيح جناته.
(2)

20/10/2010م
طوق الحمامة فى الأفة والآلاف

ولد أبو محمد، على بن أحمد بن سعيد بن حزم ،فى قرطبة ،صبيحة الأربعاء آخر يوم من رمضان عام 384هجرية - 7من نوفمبر 994ميلادية ،وكما يذكر فى كتابه "طوق الحمامة .فى الألفة والآلاف"

ومما أذكره عن هذا العلاّمة أنه وقد عاش فترة اضطراب السلطة فى الأندلس وكان أحد ضحاياها فعانى السجن والقهر والذل .وكان المذهب المالكى وشيوخه وفقهاؤه الذين لهم الصولة والجولة والكلمة المسموعة ،وتقلبهم مع كل حاكم جديد وإصدار الفتاوى التى تتغير بحسب الأحوال .فصار المذهب المالكى هو السائد،فتوى وتشريع وتعليم وأحكام ،ومناهضة الحكام لأى مذهب سواه والعمل على تحجيمه بل ومعاقبة من يدين بغير الولاء للمذهب المالكى بعقوبات متعددة والتشهير به ومدى خطورته على تدين الناس وإفساد عقيدتهم .

وهكذا عاش ابن حزم فترة صعبة ثائراً وصاحب فكر ورؤية جديدة وكيلت له الإتهامات فى عقيدته ودينه وقناعاته الفكرية .لأنه لايميل إلى المذهب المالكى ويبشر بمذهب جديد.


ومن ثم كان التعتيم والإقصاء للمذهب الظاهرى الذى كان أحد أعمدته مع الشنترينى ،وطمس معالمه ومقاومة من يدرسه أو يقوم عليه .



هكذا أصبح رجالات وشيوخ وفقهاء وعلماء المذهب المالكى فى خدمة السلطان وبكلمته صار المذهب الوحيد الواجب نشره ،تعليماً وفتاوى وتشريعاً وأحكاماً، أما ماعداه من مذاهب أخرى فلابد من خنقها .



عرفتُ ابن حزم الأندلسى فقيهاً وقاضياً ومؤرخاً وتراثه الفكرى الذى يتنوع بين الفلسفة والتاريخ النقدى للأديان والفرق والمذاهب وكتابه الفارق "طوق الحمامة فى الألفة والألاف" الذى قرأته مراراً وتكراراً فهو فى نظرى أعظم وأروع وأعمق وأشمل كتاب كُتب عن الحب ،وقد كتبه وهو فى الثامنة والعشرين من عمره .
ويحكى د.زكى مبارك ..أنه لما قام بنشر هذا الكتاب ،هاجت العمائم وماجت واضطربت أمور شيوخ الأزهر وأنكروا أن يكون هذا الكتاب من تأليف الفقيه الكبير ابن حزم صاحب الإحكام فى أصول الأحكام .فالحب لديهم عار وأى عار والكتابة عنه عبث وقلة أدب ولايجوز أن يكتب ابن حزم هذا الكلام الفارغ الذى لايليق بالعلماء .
واجتمع شيخ الأزهر وعلماؤه للرد على هذ الفرية وانفض الاجتماع ولم يصدر بياناً .


وأعجبنى جداً كتابه"الأخلاق والسير فى مدواة النفوس" ،رأيت فيه تجارب عالم وثقافة متعمق فى الحياة وخبير بالنفوس البشرية وحكمة الشيوخ ورزانة العقل وسعة الأفق .بل رأيتها وصية من عالم جليل إلى الأجيال ،تتناقلها جيل بعد جيل . وأذكر من هذا الكتاب " من طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها ،ولم يرافق فى الطريق إلا أكرم صديق " 
والكتاب على صغر حجمه ،عظيم الأهمية ،عميق التأثير .
 
 
الباب الخامس
من أحب من نظرة واحدة

وكثيراً ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة. وهو ينقسم قسمين، فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسما ولا مستقراً، وقد عرض هذا لغير واحد.
خبر:
 حدثني صاحبنا أبا بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره سقط عني اسمه، وأظنه القاضي ابن الحذاء، أن يوسف بن هارون الشاعر المعروف بالرمادي كان مجتازاً عند باب العطارين بقرطبة، وهذا الموضع كان مجتمع النساء، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه وتخلل حبها جميع أعضائه، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة، فجازتها إلى الموضع المعروف بالربض. فلما صارت بين رياض بني مروان رحمهم الله المبنية على قبورهم في مقبرة الربض خلف النهر نظرت منه منفرداً عن الناس لا همة له غيرها فانصرفت إليه فقالت له: مالك تمشي ورائي? فأخبرها بعظيم بليته بها. فقالت له: دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في النية ولا إلى ما ترغبه سبيل فقال: إني أقنع بالنظر. فقالت: ذلك مباح لك. فقال لها: يا سيدتي: أحرة أم مملوكة? قالت: مملوكة. فقال لها: ما اسمك? قالت: خلوة. قال: ولمن أنت? فقالت له: علمك والله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه، فدع المحال. فقال لها: يا سيدتي، وأين أراك بعد هذا? قالت: حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة. فقالت له: إما أن تنهض أنت وإما أن أنهض أنا فقال لها: انهضي في حفظ الله. فنهضت نحو القنطرة ولم يمكنه أتباعها لأنها كانت تلتفت نحوه لترى أيسايرها أم لا. فلما تجاوزت باب القنطرة أتى يقفوها فلم يقع لها على مسألة.
قال أبو عمرو، وهو يوسف بن هارون: فوالله لقد لازمت باب العطارين والربض من ذلك الوقت إلى الآن فما وقعت لها على خبر ولا أدري أسماء لحستها أم أرض بلعتها، وإن في قلبي منها لأحر من الجمر. وهي خلوة التي يتغزل بها في أشعاره.
ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سر قسطة في قصة طويلة.
 ومثل ذلك كثير.

وفي ذلك أقول قطعة، منها:
عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر*** فأرسل الدمع مقتصاً من الـبـصـر
فكيف تبصر فعلالدمع منـتـصـفـاً***منها بإغـراقـهـا فـي دمـعـهـا الـدرر
لم ألقها قـبـل إبـصاري فـأعرفها***وآخر الـعـهـد منها سـاعة الـنـظـر

والقسم الثاني مخالف للباب الذي يأتي بعد هذا الباب إن شاء الله، وهو أن يعلق المرء من نظرة واحدة جارية معروفة الإسم والمكان والمنشأ، ولكن التفاضل يقع في هذا في سرعة الفناء وإبطائه، فمن أحب من نظرة واحدة وأسرع العلاقة من لمحة خاطرة فهو دليل على قلة البصر، ومخبر بسرعة السلو، وشاهد الظرافة والملل. وهكذا في جميع الأشياء أسرعها نمواً أسرعها فناء. وأبطؤها حدوثاً أبطؤها نفاذاً.
خبر: 
إني لأعلم فتى من أبناء الكتاب ورأته امرأة سرية النشأة، عالية المنصب، غليظة الحجاب، وهو مجتاز، ورأته في موضع تطلع منه كان في منزلها، فعلقته وعلقها وتهاديا المراسلة زماناً على أرق من حد السيف، ولولا أني لم أقصد في رسالتي هذه كشف الحيل وذكر المكائد لأوردت مما صح عندي أشياء تحير اللبيب وتدهش العاقل،أسبل الله علينا ستره وعلى جميع المسلمين بمنه، وكفانا.
 
 

عرائس وشياطين

(1)

أثناء بحثى فى مكتبتى المكدسة بالكتب والدوريات,كى أعثر على كتاب/مرجع يتعلق بموضوع أكتبه ،أكتشف كتباً قرأتها منذ سنوات ..ولم أعد قراءتها .
ومن ضمن ماوجدت كتاباً مصقول الورق وكأنه مطبوع بالأمس القريب ,ألا وهو كتاب"عرائس وشياطين " لعباس محود العقاد،الطبعة الأولى سنة 1945م .
وفى هذه السنة صدر للعقاد الكتب التالية"
هذه الشجرة، الحسين بن علي، بلال بن رباح، داعي السماء، عبقرية خالد بن الوليد، فرنسيس باكون، في بيتي . "
وهذه الطبعة لكتاب" عرائس وشياطين "عن دار إحياء الكتب العربية ،عيسى البابلى الحلبى وشركاه 
وهى طبعة نادرة من الصعب التفريط فيها،رغم الطبعات المتتالية بعدها.
ويقول فى تمهيدها"...............
.هذه الصفحات نخبة مجموعة من وحى العرائس ذوات الشياطين أو من وحى الشياطين ذوى العرائس. 
تلقيناها من هؤلاء وهولاء ،وجمعناها هدية إلى القراء. وكل ماتوخيناه فيها أن نتجنب التكرار ،كما نتجنب الاسفاف والإطالة .
فهى قصائد من الشعر العربى أو العالمى ،يكثر فيها الإيجاز ويقل الإسهاب ،ويندر المشهور المتكرر على جميع الأسماء ......
........ص5،4

وقد أعدت قراءتها أكثر من مرة ..وتبين لى أن ما فهمته سابقاً وفى سالف الأيام من هذه المجموعة القيمة من الشعر العربى والشعر الغربى بترجمة العقاد ،قد تغيّر تماماً وتبدل ،لما أضافته السنون من خبرات ،وما تراكم لدىّ من قراءات وثقافات متنوعة .
ورغم أن العقاد كتب الشعر ،وبعد رحيل أمير الشعراء أحمد شوقى ،حاول بعض أساطين الأدب فى عصره ,وعلى رأسهم الدكتور طه حسين ،أن يتوجوه إمارة الشعر .وفشلت جهودهم .
وأزعم أن العقاد لم يكن شاعراً ،فدواوينه الشعرية لم تصنع منه شاعراً ،لكن دراساته وأبحاثه هى التى صنعت منه أديباً ومفكراً.
بصراحة ..لم أستمر فى قراءة أشعاره ،كنت أشعر أنها جافة وخشنة ،وليس لها من الشعر إلا الأوزان والقوافى إلا القليل منها. 
وربماكان الدكتور النويهى فى دراسة مطولة،نشرها تحت عنوان "العقاد ناقد الشعر " سبق نشرها وأصولها موجودة عندى ،قد التمس كبد الحقيقة ،وأجاب عن مادار بفكرى .

وأقدم بعض مختاراته من الشعرالعربى .

فؤاد ضائع
سألتها عن فؤادى أين موضعه؟***فإنه ضل منى عند مسراها!
قالت لدينا قلوب جمةُ جمعت،***فأيها أنت تعنى ؟قلت أشقاها!
شاعر مجهول

لابد 
العز فى العزلة لكنه***لابد للناس من الناس
الجوهرى "صاحب الصحاح"



(2)
ويواصل العقاد "................ ونجيز لأنفسنا فيها الحذف والتبديل مداراةً لإسفاف فى العبارة أو إسفاف فى الذوق والأدب ،وعلينا تبعة القليل الذى طرأ عليها من الحذف والتبديل .وحسبنا منها شرط واحد نرجو أن يتحقق لها جميعاً فى رأى قرائها ،وذاك أنها- وهى من وحى العرائس والشياطين - خير مايقرب الإنسان إلى قلب الإنسان."ص5

يبدو أن العقاد لم يلتزم بترجمة الشعر العالمى وإنما سمح لنفسه الحذف والتبديل ..
وأزعم أن ما فعله العقاد هو وصاية على العقل العربى ،آنذاك،وفرض ثقافة منتقصة القيمة ، بل وعديمة الفائدة وتشويه متعمد مع سبق الإصرار.
وكيف بأديب كبير كالعقاد، له ماله من قيمة أدبية وفكرية، يسقط وبقوة هذه السقطة المدوية ؟
إذا كانت الترجمة من لغة إلى لغة خيانة ،فالعقاد تجاوز هذه الخيانة إلى جرائم عمدية فى حق الشعر العالمى والشعراء العالميين؟!
بل لو صح قوله،فلم يسلم ما أورده من الشعر العربى من جريمة شنعاء وخطيئة لاتغتفر ، تحت زعم لايليق بمفكر كبير 
"إسفاف فى العبارة أو إسفاف فى الذوق والأدب".

وأحسبنى لا أكون متجاوزاً فى القول أن هؤلاء الرواد انتهكوا آداب وأشعار الشعوب الأخرى بقسوة ودون رحمة أو شفقة .
وها هوالشاعر خليل مطران وقد أقبل على تعريب مسرحيات شكسبير.
يقول فى ص5 من تعريبه "هاملت " طبعة دار المعارف المصرية الطبعة الرابعة سنة 1971م:
"
هذه القصة ترجمتها كما هى فى الأصل ،ولكن رئى لإبراز محاسنها بالتمثيل العربى ألا تترك فصولها كما هى فى الأصل ،لأن فيها إطالة لاتواتى الزمن ،ومقتضيات التمثيل الحديث . ولما كانت كل قيمتها هى فى الأقوال والحكم ،والتحليلات النفسية التى لم يسبق شكسبير أحد، فكل ماورد فى الحوار ،وهو يتضمن هذه المعانى السامية ،ترجم بحرفه وبكل دقة .وبعض الأحاديث الغريبة والواردة فى الحوار ،مما لايدخل فى لباب الموضوع ولكنه من قبيل تحليات المحادثات المسرحية ،فهذا رئى بإجماع الأدباء المضطلعين أن تخفيف حجم الرواية منها أصلح لها فى التمثيل ،وأصدق أثراً فى نفوس المشاهدين".
ولن أنسى الجريمة النكراء التى فعلها الشاعر حافظ إبراهيم فى رواية فكتور هوجو "أحدب نونتر دام" وقد عرّبها تحت عنوان "البؤساء"بلغة مهجورة غريبة غير مستساغة .



(3)
طالعت زوجتى ماكتبته عن العرائس والشياطين ،فابتسمت ضاحكة وقالت :عرائس وشياطين !كيف يجتمعان؟فعدت من فورى إلى تمهيد العقاد لكتابه، فوجدته يقول: اتفقت الأساطير على أن الشعر من وحى العرائس أو من وحى الشياطين . 
فاختار الأوربيون أن يتلقوا وحيهم من عروس ،
واختار العرب أن يتلقوا وحيهم من شيطان. 
ولانراهم اختلفوا كثيراً فى نهاية المطاف ،
وإن اختلفوا قليلاً فى الخطوة الأولى .
فنهاية العروس أن تعمل بشيطان ،
ونهاية الشيطان أن يعمل بعروس .
وما نظنهما عملا قط منفردين فى فؤاد إنسان. 
والرجاز الظريف "أبو النجم العجلى "يقرب الفجوة شيئاً مابين الفريقين حين يقول :
إنى وكل شاعر من البشر ***شيطانه أنثى وشيطانى ذكر 
فما رآنى شاعر إلا واستسر ***فعل نجوم الليل عايّن القمر
 
فهو قد جعل الشياطين -ماعدا شيطاناً واحداً- أناثاً يتوارين خجلات كما تتوارى النجوم من القمر .
تُرى هل أناث الشياطين جميلا ت كالعرائس المعشوقات؟
عند السعدى -الشاعر الفارسى - جوابٌ يحسم الخطاب. فهو يقول 
:
إن الشيطان نفسه جميل يغوى القلوب بجماله ،
وإن أبناء آدم إنما مسخوه فى الصور والتماثيل لأن حرم أباهم الفردوس فحرموه الجمال!"

فالشيطانات إذن أحق بالجمال واقرب إلى العرائس ،وما هؤلاء وهؤلاء إلا كما قال المعرى -قريب حين تنظر من قريب.
وعرضت على زوجتى مانقلته عن العقاد ،لبيان الفرق بين العرائس والشياطين ،فقالت بحسرة:
الأوربيون فازوا بكل شىء ولم يتركوا لنا شيئاً ..حتى فى وحى الشعر أخذوا العرائس وتركوا لنا الشياطين تعيث بيننا وتنشر الفسادوتدمر الأخضر واليابس!!



(4)


قياس

مادمت أعلم أن الوقائع التى نشهدها 
ليست هى الحق اليقين
فمن أين لى أن أحلام المنام
ليست سوى أحلام

ٍ(شاعر يابانى مجهول حوالى القرن الثانى عشر للميلاد)

النسر الجريح

قصة يرويها اللوبيون!
قالوا :أصاب النسر سهم من قوس 
فنظر إلى ذلك الصنع المجنح العجيب 
قال: على هذا نحن بريشنا ،لابريش غيرنا ،فصاب"
هكذا وردت وربما نُصاب"اسكايلوس من أكبر شعراء اليونان الروائيين والغنائيين 425-456قبل الميلاد(هكذا وردت بهامش الصفحة ،ولكن الصحيح أنه عاش مابين عامى 525-456 قبل الميلاد) وأزيد على ماكتبه العقاد، أن إسخليوس كتب قرابة تسعين مسرحية ،وصلنا منها سبع فقط وهن :
الضارعون ،الفرس، سبعة ضدطيبة ،بروميثيوس فى الأغلال، ثلاثية الأورستيا.


بستانى دفين
أمنا الأرض العزيزة !
خذى إلى صدرك الشيخ أمنتكيس ليستريح
واذكرى -وماهى بقليلة - تلك السنين التى كان يجهد فيها شتى الجهود من أجلك
فكثيراً ماغرس لك الزيتون المورق
وحلىّ وجهك بدوالى الكروم
وأغناك بحقول الغلال
وأجرى فيك الجداول منسربات
ليزدان أديمك بالعشب والثمرات
فاليوم آن لك أن تجزيه على صنيعه
وأن تخففى الوقر على رأسه الأشيب وجسده النحيل
وإذا جاء الربيع فزيّنى قبره بالخضرة والريحان

(شاعر يونانى قديم مجهول)


قصة مختصرة 
ثلاثة شيخة راحوا ***إلى البحر على زورق
ولو زورقهم أقوى!***ولو بنيتهم أوثق
لكانت قصتى أوفى ***وكانت قصتى أشوق!
(أعنية مرضعات إنجليزية )

الشيخة :أى الأشياخ ،والترجمة العربية من نظم المؤلف"


ص11،10،7
من الملاحظ.. أن العقاد لايذكرأسماء الكتب التى وردت بها هذه الأشعار .
وهل تمت الترجمة من لغتها الأصلية أم من لغة وسيطة ؟
وبالتأكيد وبالبناء على ماذكره، فى تمهيده ، أعطى لنفسه حق الحذف والتبديل.
ومن ثم فماينشره العقاد هو مايريده العقاد وليس الشاعر المترجم له.


"أنا تاج الشرف لكل النساء" إديث سودرجران

إلى ..بياتريس

يوم انتسبت لموقع الأدباء والمبدعين العرب،فى 13/10/2007م بعد دعوةكريمة ، تلقيتها فى إيميلى، من السيدة مها النجار ،إن لم تخنى ذاكرتى الخؤون،أحدملاك الموقع - وقتذاك - 
نشرت يومئذ دراسة عن شاعرة فنلندية، قيل عنها:
"
إنها فجرت بقصائدها قنبلة فى بركة بطّ البرجوازية الفنلندية ،التى كانت واقعة تحت سطوة النزعة الروسية فى الأب والفن،وكذلك الأناشيد الوطنية التى كتنت تناهض تلك السطوة تعتبر استثناء مما هو شائع فى ذلك الوقت.." 
لم تعش إديث طويلاً ..فقد قضى عليها مرض السل وانتقلت إلى رحمة الله وعمرها 31سنة.
وتركت آثاراً شعرية متالقة ورائدة ورائعة ،قام على ترجمتها الشاعران
 الكبيران محمد عفيفى مطر ومحمد عيدإبراهيم ،وصدرت عن دار شرقيات للنشر والتوزيع سنة 1994م ،فى مجلد فخم وإخراج فنى متميز . 
وأذكر أننى، وقت صدور هذه الطبعة ،حصلت على نسخة منها وتركت كل مابيدى من أشغال وقراءات وعكفت على قرائتها بشغف ونهم ،ربما ظل أثر هذه القراءة مطبوعاً بذاكرتى ،حتى اللحظة ،وظل وعى محتفظاً بها . 
ومن لحظات..وقفت أتامل مكتبتى الضخمة ،فشدتنى أعمال" إديث سودرجران "،فطالعت صفحاتها من جديد..
وقلت لنفسى :
ل
ماذا لاتكتب عنها ؟
وتذكرت ماكتبته عنها منذ سنوات ،فحثنى عقلى أن أعيد نشر ماكتبته عنها سابقاً ،وإضافة ما يعجبنى من أشعارها ،فقد خلفت خمسة دواوين،
قصائد 1916م،قيثار سبتمبر 1918م، مذبح الوردة 1919م،ظلال الغد 1920م ،الأرض غير الكائنة 1925م".وأذكر أننى، بعد نشرى هذه الدراسة الممتعة والقريبة إلى نفسى وعقلى ،لم أجد ثمة صدى من ،أىِ من القراء أو القارئات .
وأزعم .. أن الذائقة العربية لم تستوعب بعد، قراءة الشعر الأجنبى (
المعرّب )وفقاًً لنصيحة السيدة الجليلة الأستاذة منيرة الفهرى ، إذ كنت أقول الشعر الأجنبى" المترجم" .
ومن نافلة القول ..
أننى سأنشر هذه الدراسة أوالقراءة عن إحدى شاعراتى الفضليات المفضلات ،مضيفاً عليها ما استجد لدىّ من زخم ثقافى ، لما يقرب من عشرين عاماً تفصل بين القراءتين .


(1)الجرأة الحمراء

"أريد أن أكون حرة ومرسلة
تلك علة أن الأساليب الراقية لا تعنى لى شيئا .
وأنا أشمر عن ساعدى ،
إن عجينة الشعر تختمر .."

الشاعرة الرائعة "إديث سودرجران " من فنلندا ، ولدت 1892ورحلت 1923تاركة آثاراً شعرية تمتاز بالروعة والعمق .
أعلنت فى أشعارها التحدى والجرأة ، وأخذت من فلسفة القوة لفريديك نيتشه ، منهاجاً ونبراساً ولم تنحن ولم تستسلم حتى الرمق الأخير .
"
كل ما أملك هو فانوسى المضىء ،
جرأتى الحمراء
جرأتى الدامية تفتش عن المغامرات
فى أصقاع المعنى
لا أملك شيئا سوى قيثارتى تحت إبطى
والصوت الغليظ لأوتارى ؛
قيثارتى المشدودة الأوتار تصدح للإنسان والوحش
على الطريق الرحب

إننى لا أملك شيئا سوى تاجى الشامخ ،
المترفعة .
تأخذ كبريائى القيثارة تحت ذراعها
وتنحنى انحناءة الوداع "

كانت الحماسة الطاغية المندفعة نحو الإصلاح والثورة والحرية _هواء فنلندا الخانق والبت والقهر والهوان والضياع وفقد الأمل فى غد مشرق _ 
وقدمت أشعارها فى مذبح الوردة .
"
 بسيط هو صيف الجبال ،
المرج مزهر ،
والمزرعة العتيقة مفترة الثغر
وغمغمات الجدول الخافتة تحكى عن السعادة المتاحة
 ".



(2)
النجوم عنيدة

إن بساطة أشعارها ووضاءة ألفاظها وسهولة كلماتها ،جميعهم جعلنى قارئا لأشعارها .
أشعر أنها تتكلم عن نفسى ،عن إحباطاتى ،عن هواجسى ،عن أحلامى ،عن ثوراتى وأمنياتى ،عن الليل السرمدى القابع بداخلى .
عن أحزانى التى لاتغسلها أمواه الأرض،فحزنى مغروس فى روحى ،متجذر بأعماقى "إنه شتاء ريتا الطويل "كما يقول محمود درويش.

" 
النجوم عنيدة ،
كلنا يعلم ذلك
ولكننى أريد أن أقتنص حظى من فوق كل موجة زرقاء
ومن تحت كل صخرة رمادية .
فإذ لم تأت السعادة أبدا !
ماذا تكون الحياة ؟
زنبقة صغيرة تذوى فى الرمل
وإذا أخفق توجسها،
تتكسر الأمواج على الشاطىء
والشمس تغرب
لماذا كانت الذبابة تفتش عن شىء ما فى نسيج العنكبوت ،
وماذا صنعت فراشة الماء بيومها الوحيد المقدر لها؟
ليس من جواب آخر سوى جناحين مطويين بلا حياة
فوق صدر منكمش .
وتبقى حلاوة النضال من بعد للجميع
وتتفتح الزهور كل يوم من قلب الجحيم "

وأهمس لنفسى التى سئمتنى وسئمت حياتنا وواقعنا المزرى، أن الأمل باق ، وأن الشعر باق ما بقى الإنسان ..الإنسان .
وهاهى إديث الرائعة ، ذات القلب الأبيض والإرادة الشامخة ، تقول :
"
 أختى ، ياجميلتى ، لاتذهبى بين الجبال ؛ إنها قد خدعتنى ،
ليس فيها ما يشفى غليلى .
ولأجل التذكار قطعت غصنا من شجرة الصنوبر
كان يظلل الطريق كأنه ريشة
وحاولت أن أعود إلى البحر على آثار خطواتى القديمة.
كان البحر قد ألقى ألفا من الدمى المحطمة فوق الرمل .
وعبثا كنت أبحث عن حلية قد تجلو جمالى.
تعالى ، اجلسى بجانبى ، سأحكى لك عن أحزانى ،
سوف تفشى كلانا أسرارا .
عليك أن تكشفى لى عن جمالك وطريقتك فى الالتفات ،
وسأمنحك صمتى وعادتى فى الاستماع
 "


(3)

نشيد القوة


"إننى أملك القوة .
لاأخاف شيئا .
الضوء هو السماء لى 
إن يفن العالم ،فإننى لن أفنى .
تمتد آفاقى الساطعة 
فوق ليل الأرض العاصف .
دع الأشجار تطلع فى حقول الضوء السرية .
فإن قوتى تنتظر ،بلا انكسار "

وتمضى الشاعرة الرائعة "
إديث سودرجران"وهى تملك قوة الحياة ، تجاهد ألا تنهزم أمام الضعف الإنسانى ،
فتصرخ "لا أخاف شيئا "
ثم تؤكد أن قوتها تنتظر وبلا انكسار .
ثم تهيب بشعبها أن يتسلق ذرى المجد ،بدلاً من هذه الحياة الآسنة المميتة.
"فروا إلى العزلة ! كونوا رجالا !
لا تصيروا كأقزام بأوصال ضامرة .
لا تصيروا كمساجين بأسنان مغلولة .
لاتصيروا كنسور فى أصفاد ، مسترقين .
تعلموا أن تقفوا كصنوبرات على الصخور فى أمواج متكسرة .
تعلموا أن تقتفوا عرف النجوم .
قديسون وأبطال ، بأجسام لينة ،
انضجوا لتكونوا كأعمدة لمعبد الصدق !
تعلموا أن تقوموا كأمواج فى عاصفة .
امنحوا يدكم لإخوانكم ،ولسوف يتغير العالم .
أيام من أسى الخريف قد رحلت للأبد "



(4)
حقول القمح الذهبية

كلما قرأت أشعار إديث ،أتمنى لو شاهدتها وجلست معها ،أتعلم معنى القوة والكفاح الإنسانى ، فى مواحهة العجز والهمم الخانعة .
لم تهن إرادة الشاعرة ولم تنهزم ، بل تؤكد أن الدنيا مليئة بالصراع والنضال والتناحر والألم .
إنها قصائد تفيض قوة وحيوية .
إنها دعوة للكفاح والعزة والكرامة .
كانت تحلم بوطنها جميلاًمشرقاً متحرراًمن الظلم والطغيان ،يدفعها روعة الإحساس بالنصر وزهوة القوة .

"بداية أريد أن أتسلق جبل شيمبورازو 
فى بلادى 
وأقف هناك لاهثة 
بتاج النصر 
بعدها أتسلق جبل الشهرة 
حيث حقول الحنطة الذهبية فى العالم ،تبسم له 
وأقف هناك منعمة 
برؤى وردية .
نهاية ،أتسلق جبل القوة 
الذى ماتسنمه أحد ،
حيث النجوم فى بسمة أكثر عذوبة 
تبارك الجميع 
"



(5)

أنا تاج الشرف لكل النساء


"
 لست إمرأة ، إننى جنس محايد .
أنا طفلة وجارية وعزم لايلين .
أنا مسار الشمس القرمزية الضاحك. 
أنا شبكة صيد لكل الأسماك الشرهة .
أنا تاج الشرف لكل النساء. 
أنا خطوة فى طريق النجاة والهلاك . 
أنا قفزة فى الحرية والذات .
أنا وسوسة الدم فى أذن الرجل .
أنا حمى الروح والشبق وإنكار الجسد.
أنا علامة الدخول إلى الفراديس الجديدة .
أنا شعلة منقبة جريئة .
أنا ماء عميق ، ولكنى شجاعة الخطى . 
أنا ماء ونار امتزجا بأمانة وفق شروط حرة "

لم تكن الشاعرة الرائعة إديث سود رجران إلا شاعرة متميزة ، تختار المواضيع التى تمس شغاف قلبها.
كانت إمرأة لكنها وبحق من جنس آخر .
إنها الإنسان "
السوبرمان "الذى دعى إليه "نيتشه "فيلسوف القوة".
وما أعظمها وهى تقول وبأعلى صوتها ( 
أنا تاج الشرف لكل النساء ) .
ما أروعها وما أصدقها وهى تصف نفسها وبعفوية تحسد عليها ، 
" 
أنا قفزة فى الحرية والذات "
الحرية الحرية الحرية 
تأتينا من أعماق الإنسان ، نسعى ولانمل ، نطلبها مطلبنا للحياة .
وهاهى" إديث"قفزة فى الحرية والذات .



(6)

نشيد الفرحة

"
فرحانة أنا ،
شمس الصباح الجريئة ، تشرق فى وجهى ، تتلمس جبينى .
لا ، يمكنك أن تسمع فورا رد قلبى التياه .
قلبى يصير أكثر تيها مع كل دورة شمس .
وكأنى أمسك قرص الشمس فى يدى 
لأعصره .
كأنى لست إلا نزيلة على الأرض عابرة 
أوقظها بالعتاب ، 
آه ، أنت أكثر تيها بالقلوب ، تمدين ذراعيك نحو الشمس ، 
فاركعى ، ودعى صدرك لتفعمه الشمس ، الشمس "

هذه القصيدة المفرحة والفرحة ، آفاق شاسعة حلقت فيها الشاعرة على أجنحة الفرحة .
أنا فرحانة ، فرحانة أنا ، أعلو وأعلو وأمسك قرص الشمس بيدى لأعصره .
صورة المستحيل الذى يتحقق ،
هذه القوة المهولة بداخل الإنسان، الكبرياء والشموخ والتعالى على الأحزان وأمور المعاش المملة المكرورة .

وتنثال على ذهنى وفى هذه اللحظة مقطع من القصيدة الرائعة والخالدة ، نشيد الفرحة للشاعر الأشهر فريدريش شيللر الألمانى، ترجمة الدكتور ثروت عكاشة،
والتى أخذها الموسيقى الأعظم بيتهوفن ،وجعلها الحركة الرابعة فى سيمفونيته الكورالية".
وهو شيللر ينادى الفرحة ويقول :

"
أيتها الفرحة ،
ياشرارة الآلهة الجميلة ،
يابنت جنة المأوى 
إننا ندخل بالنار نشوى ، 
بيتك الحرام ، 
ياأيتها السماوية .
وفنون سحرك تربط من جديد
ما قصمته بيد العنف التقاليد ،
فيتآخى البشر جميعهم 
حيث يمتد جناحك الرقيق من فوقهم



(7)
استشرى السل فى صدر إديث ،وذوت بين عينيها زهوة الحياة ،وانطفات نضارة الوجه ،وبهت بريق الذكاء .
لكن قوة الإرادة لم تهن وينبوع الحياة لم يجف بعد . 
وفى لحظةِ ..همد الجسد وتوقف القلب الذى عشق الوجود وناجى الطيور وزقزق مع العصافير .
وفى ديوانها الأخير
 "الأرض غير الكائنة" والذى جمعت قصائده بعد موتها فى 1923م وصدر فى 1925م.
تفردت قصائدها الأخيرة بالإيجاز والحكمة والفلسفة . 
كانت توقيعات موجزة وبرقيات لقلب يودع الحياة .

وها هى بعض قصائدها القصيرة.
صيف فى الجبال 

بسيط هوصيف الجبال،
الموج مزهر،
والمزرعةالعتيقة مفترة الثغر،
وغمغمات الجدول الخافتة ،تحكى عن السعادةالمتاحة

الوردة

جميلة أنا، لأننى أترعرع فى حديقة المحبوب.
وقفت تحت مطر الربيع أشرب الحنين،
وقفت تحت الشمس أشرب الوهج،
والآن أقف متفتحة ،وأنتظر
زيارة لطريح الفراش

جئتك بغصن واحد مزهرمن غابة الربيع الممتدة
صامت أنت،تنظر 
بعينين كليلتين عميقتين.
إلى شعشعة الضوء فى الكريستال.
صامت أنت وتبتسم،
لأن هذا الربيع سينأى عن قلبك
غننا لانملك أن نقول شيئاً أكثر.
اكتشاف

إن حبك يحجب نجم سعدك
وفى حياتى يبزغ القمر.
يدى لاتستكين فى يدك.
يدك فى نشوة
ويدى فى اشتياق.
بورتريه

من أجل أغنياتى القصيرة
الأغنيات الضاحكة النواحة ،أغنيات المساء الأرجوانية،
وهبنى الربيع بيضة طائر الماء .
رجوت حبيبى أن يرسم صورتى على القشرة الصلبة.
فرسم بصيلة صغيرة فى التربة السمراء؛
ورسم على الجانب الاخر رابية دائرية ناعمة من الرمل.
فى الخريف

إنه وقت الخريف والطيور الذهبية 
تطير جميعاً فوق المياه الزرقاء العميقة إلى أوطانها
وأنا أجلس على الشاطئ محدقة فى وهج التهاويل 
وموسم الوداع يوسوس بين الغصون
الرحيل ثقيل،والفراق يوشك،
ولكن من المؤكد أننا سنلتقى مرة أخرى.
هكذا يكون نومى خفيفاً إذ أنعس وساعدى تحت رأسى.
وأحس بأنفاس أمِ على عينى 
وفم أُمِ على قلبى؛
انعسى ياطفلتى ،فقد غربت الشمس.


 (8)

للصديق الجميل الشاعر الباحث المترجم الكبير حميد كشكولى، ترجمة لثلاث قصلئد للرائعة إديت 
سأنشرهم من موقع الحوار المتمدن.


ترجمة: حميد كشكولي
من النص الأصلي بالسويدية 

الروح المنتظرة

أنا المنفردة بين الشجرات على البحيرة،
أعيش صديقة َ الصنوبرات النفضية العجوز،
و في تفاهم سرّي مع جميع شجرات الروان الشابة.
وحيدة استلقي منتظرةً،
لا أرى أي ّ إنسان يمر بنا.
تلقي الزهور الكبيرة النظرة عليّ من السيقان العالية،
المتنشرات * المرّة تزحف في حضني،
فإنني أعرف اسما واحدا لكل هذا، ألا هو العشق. 

* المتنشّرة : نبتة تنتشر فوق سطح الأرض متسلّقة ما يعترض سبيلها....


 الجحيم

آه، ما أروع الجحيم !
في الجحيم لا يتكلم أحد عن الموت.
الجحيم مبني ّ بالآجر في جوف الأرض،
و مزيّن بزهور متوهجة....
لا تسمع في الجحيم كلاما فارغا من أحد...
في الجحيم ،
لم يشرب أحد، و لم ينم أحد، ولا يستريح أحد، ولا يجلس أحد بهدوء،
لا يتكلم أحد في الجحيم، لكن الجميع يصرخون،
حيث الدموع ليست بدموع، و كل الأحزان واهنة. 
في الجحيم لا يمرض أحد، ولا يتعب أحد.
فالجحيم أبدي ، ولا يتغير.


 الحياة

أنا، أسيرة نفسي، أقول:
ليست الحياة الربيع المرتدي مخملا أخضر فاتحا،
أو مداعبة، نادرا ما يتمتع بها المرء،
ليست الحياة أن تقرر الذهاب،
أو ذراعين أبيضين، يساعدان المرء على البقاء.
الحياة هي الحلقة الضيقة التي تحبسنا،
الدائرة غير المرئية، التي لن نتجاوزها قط،
الحياة هي السعادة القريبة التي تمر ّ أمامنا،
وخطوات ألف لا نقدر على انجازها.
الحياة هي أن تزدري ذاتك،
و تظل بلا حراك في قعر بئر،
و أن تعلم أن الشمس تشرق فوقك،
وأن الطيور الذهبية تطير خلل الفضاء،
والأيام السريعة كالرماح تمضي.
الحياة هي أن تلوح تلويحة وداع قصيرة و تذهب إلى البيت و تنام...
الحياة هي أن تكون غريبا عن نفسك،
و دودة جديدة لكل آخر يأتي.
الحياة هي مصافحة سعادتك بلا اعتناء،
و أن تدفع اللحظة الوحيدة خارجة،
فالحياة هي أن تعتقد أنك ضعيفا و تخشى....

من مجموعتها الشعرية " قصائد" 
Dikter
الصادرة طبعتها الأولى عام 1916 ....