بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 19 يونيو 2015

تاريخ الإلحاد فى الإسلام ،محمد بن زكريا الرازى .للدكتور عبدالرحمن بدوى

أزعم أن الدكتور عبدالرحمن بدوى لم ينل التقدير الذى يليق بفكره وأبحاثه ،فى عالمنا العربى، ومؤلفاته  ودراساته وترجماته وجميعهم لهم   السبق فى إثراء العقل العربى والسباحة المتعمقة فى المسكوت عنه منذ حصل على الدكتوراه عن الزمن الوجودى وحتى وفاته بباريس بفرنسا، الذى هاجر إليها وعاش فيها عمراً طويلاً .

قرأت له بعض كتبه ورضيت به رافداً ثرياً من روافد ثقافاتى المتنوعة .

قرأتُ فى سنوات التكوين كتابه "تاريخ الإلحاد فى الإسلام

وها أنا أنقل دراسته الفذة عن محمد بن زكريا الرازى .




1- شخصية من أكبر الشخصيات فى الحياة الفكرية الإسلامية على مر عصورها

... بدأ الإلحاد في الإسلام تحت تأثير عوامل فكرية خالصة : ففريق ألحد عن الدين لأسباب من العصبية القومية حملته على أن يتعصب لدين آبائه من المجوس و الثنوية المانوية ، كما فعل ابن المقفع و بشار ، و فريق تزندق فرارا من تكاليف الدين و طلبا لسلوك مسلك الحياة الماجنة الحرة السمحة ، دون أن يتأثر بشك فكري واضح ، كما هي الحال بالنسبة إلى كثير من الشعراء ممن ينتسبون إلى " عصبة المجان " على حد تعبير أبي نواس ، و فريق ثالث تنازعه العاملان فجمع بين سلوك المجان و بين عصبية الشعوبيين ، مثل أبان بن عبد الحميد. و خلال هذا التطور رأينا المنحى يسير صوب الجانب الروحي أكثر فأكثر ، و إن كانت العوامل الفكرية العميقة لم تؤثر تأثيرها الحاسم بعد ، اللهم إلا عند ابن المقفع الذي يمثل خصوصا جانبا عقليا بارزا و إن تلفع بالغموض و التقية. ثم شاهدنا هذه الحركة المتصاعدة تبلغ أوجها عند ابن الراوندي : فبعد أن كانت مجرد مزاج روحي أو موقف فكري مؤقت غير واضح ، صارت مذهبا شاملا أقيم على أسس من العقل ، و أصبح ذا أنصار يؤمنون به لأسباب عقلية فكرية ، و كانت فكرة النبوة هي حجر الزاوية في هجوم هذا الإلحاد على الإسلام ، و يلوح أن الأمر قد اقتصر عليها و تحدد عندها فلم يتعدها إلى الشك في الألوهية نفسها ، بعد أن كان الأمر غامضا لا يعرف الملحد أين يوجه سهامه ، و من هنا كان الاضطراب في تصوير هؤلاء لأفكارهم و اتجاهاتهم ، و إن كانوا في بعض النواحي أجرأ من هؤلاء المتأخرين عليهم من أمثال ابن الراوندي و من تلاه. و لم ينطل على الناس نسبة الشك في النبوات إلى البراهمة و تحميلهم مسؤوليته ، فاعتنقوه على علاته ، بغض النظر عن أصحابه و ما عسى أن يرتبط بهذا الرأي من معتقدات أخرى لهؤلاء البراهمة المزعومين.
و هكذا تركزت نقطة الهجوم من جانب الملحدين في النبوة ، و لذا نجد الملاحدة في القرن الرابع و ما تلاه يقفون طويلا عند هذه المسألة. فنرى التوحيدي يذكر في " الإمتاع و المؤانسة " ( 1 ) أن أبا أسحق النصيبي كان " يشك في النبوات كلها " ، و نرى الكثيرين ينحرفون إلى المذاهب المبتدعة التي انتشرت في ذلك العهد انتشارا واسعا مثل الخرمية البابكية ( 2 ) ، حتى ليروي التوحيدي أيضا أن رجلا معروفا بدينه و إيمانه مثل ابن الباقلاني كان " على مذهب الخرمية ، و طرائق الملاحدة " ( 3 ) ، و إن كان في هذا القول شيء من الغلو لعله مقصود.
و انضم إلى هذه التيارات الظاهرة ، تيارات المذاهب المستورة المتأثرة بالغنوص ، خصوصا تلك المنتسبة إلى الشيعة مما ولد في القرن الرابع حركة عنيفة في الخواطر و الأفكار. و لسنا الآن بسبيل بيان هذه الاتجاهات الروحية القوية التأثير ، إنما نحن نتابع تطور حركة الإلحاد.
و هنا نلتقي بشخصية من أكبر الشخصيات في الحياة الفكرية الإسلامية على مر عصورها ، و نعني بها أبا بكر محمد بن زكريا الرازي.
و االرازي طبيبا و كيميائيا من الطراز الأول ، معروف جيدا للجميع بفضل الدراسات العديدة التي كتبت عنه من هذه الناحية ( 4 ). أما الرازي الفيلسوف فقد بدأت الدراسات عنه متأخرة ، فكانت أولى الدراسات الجدية في هذا الباب ما كتبه شيدر عنه في مقاله " مذهب المسلمين في الإنسان الكامل " ( 5 ) ، ثم كانت الدراسة التفصيلية لفلسفة الرازي الطبيعية التي كتبها الأستاذ سالومون بينس في كتابه القيم " نظرية الجوهر الفرد عند المسلمين " ( 6 ) ، فجاءت أوفى ما كتب عنه حتى اليوم. أما فلسفته الأخلاقية و فلسفته العامة في الوجود فلم تكن حتى اليوم موضع دراسة شاملة ، و قد كان هذا طبيعيا ما دامت النصوص الخاصة بهذه الفلسفة لم تنشر بعد. بيد أن المرحوم الدكتور كروس وجه عنايته إلى الرازي من هذه الناحية خصوصا ، و بدأ ينشر آثاره الفلسفية في مجلة " شرقيات " Orientalia ثم جمعها أخيرا في كتاب كان منتظرا أن يصدر في جزئين على الأقل ، لكن لم يصدر منه إلا الجزء الأول ، و حال انتحاره الأليم دون نشر الجزء الثاني ، فضلا عن أنه كان يكتب كتابا شاملا عن فلسفة الرازي كرسالة للدكتوراة يريد تقديمها لجامعة السوربون ، و يلوح أنه قد أتمه أو أوشك و لكنه لم ينشر ، و لعل القائمين على آثاره أن يعملوا على تحرير دساتيره و إعدادها للنشر.
و ما يعنينا هنا هو أن نبين الجانب الإلحادي في فلسفة الرازي هذه ، و قد عبر عنه - فيما يلوح – في كتابه في " العلم الإلهي " ثم في كتاب " مخاريق الأنبياء " ، و لكننا نعرف رأيه هذا خصوصا من المناظرات التي جرت بينه و بين أبي حاتم الرازي ، ثم ما أورده هذا الأخير في كتابه " أعلام النبوة " مقتبسا من كتاب " مخاريق الأنبياء " ، لابن زكريا الرازي ، و قد نشر هذه المواضيع مع ردود أبي حاتم كراوس في المجلد الخامس من مجلة " شرقيات " و أعاد نشر الجزء الأول منها في " رسائل فلسفية " لمحمد بن زكريا الرازي ( القاهرة سنة 1939 ص 295 – ص 316 ) ، نشرها مع رد أبي حاتم الرازي و جواب أحمد بن عبد الله الكرماني " عما أهمل أبو حاتم الجواب عنه من سؤال ابن زكريا الرازي ".
هوامش المؤلف :
1 – ج 1 ، ص 141 ، طبعة القاهرة سنة 1939 .
2 – انظر الفهرست لابن النديم ص 480 – 483 ، طبع مصر سنة 1348 هـ = سنة 1929 .
3 – المرجع نفسه ص 143 .
4 – راجع خصوصا ج س أ رانكنج : حياة الرازي و مؤلفاته المؤتمر الدولي الطبي السابع عشر ، لندن سنة 1914 :
G S A Ranking : The Life and Works of Rhazes -
ثم كتب تاريخ الطب العربي : فستنفلد و لوكلير إلخ.
5 – هـ هـ شيدر
Die islamische Lehre vom vollkommenen Menschen
في مجلة الجمعية المشرقية الألمانية ZDMG جـ 79 ( سنة 1925 ) ص 228 – ص 235 .
6 – برلين سنة 1936 ص 34 – 93
من كتاب تاريخ الإلحاد في الإسلام

S Pines : Beitrage zur islamischen Atomenlehre

 2 – نظرية النبوة 

و من الواضح أننا لا نستطيع أن نعطي صورة صادقة لمذهب ابن زكريا الرازي ، لأن النصوص الأصلية تعوزنا ، و كل ما لدينا في هذا الباب إنما يرجع إلى ما يورده الخصوم من عرض لمذاهبه و أقواله إما بنصها مبتورة من سياقها ، و إما اختصارا و بالمعنى فحسب ، فضلا عن ندرة هذه الآثار ، مما لا يسمح بتكوين رأي صحيح شامل. بيد أننا سنحاول جهدنا أن نتبين ذلك المذهب من تلك الشذرات و الروايات النادرة قدر المستطاع ، على ما نبديه من تحفظ شديد فيما يتصل بصدقها تماما.
و يبدو من هذه النصوص أن نظرية النبوة كانت الشغل الأكبر لنقد الرازي للأديان. فالرازي كان لا يؤمن بالنبوة ، و كان نقده لها يقوم على أساس اعتبارات عقلية و أخرى تاريخية.
أما من الناحية العقلية فإنه لا بد قد قال بالحجة العامة التي قال بها البراهمة المزعومون ، و هي التي أوردناها عن ابن الراوندي في القطعة رقم 3 من أن العقل يكفي وحده لمعرفة الخير و الشر فلا مدعاة إذا لإرسال أناس يختصون بهذا الأمر من جانب الله. و يؤيد هذا الافتراض ما نراه من مدح الرازي للعقل ، خصوصا في مستهل كتاب " الطب الروحاني " حيث قال : " إن البارئ – عز اسمه – إنما أعطانا العقل و حبانا به لننال و نبلغ به من المنافع العاجلة و الآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله و بلوغه ، و إنه أعظم نعم الله عندنا و أنفع الأشياء لنا و أجداها علينا ... و بالعقل أدركنا جميع ما ينفعنا و يحسن و يطيب به عيشنا و نصل إلى بغيتنا و مرادنا ... و به أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا الخفية المستورة عنا... و به وصلنا إلى معرفة البارئ عز و جل الذي هو أعظم ما استدركنا و أنفع ما أصبنا ... و إذا كان هذا مقداره و محله و خطره و جلالته فحقيق علينا أن لا نحطه عن رتبته و لا ننزله عن درجته ، و لا نجعله – و هو الحاكم – محكوما عليه ، و لا – و هو الزمام – مزموما ، و لا – و هو المتبوع – تابعا ، بل نرجع في الأمور إليه و نعتبرها به و نعتمد فيها عليه ، فنمضيها على إمضائه و نوقفها على إيقافه " ( 1 ) . و من هذه الفقرة المهمة يتبين التشابه الكبير بينه و بين ابن الراوندي حين قال على لسان البراهمة : " إنه قد ثبت عندنا و عند خصومنا أن العقل أعظم نعم الله سبحانه على خلقه ، و إنه هو الذي يعرف به الرب و نعمه ، و من أجله صح الأمر و النهي و الترغيب و الترهيب ". فإذا كان ابن الراوندي قد بنى على هذه المقدمة إبطاله للنبوة ، فيشبه أن يكون الرازي قد أراد هذا أيضا و رمى إليه ، خصوصا و هو يزيد في توكيد مناقب العقل فينسب إليه ليس فقط ما يتصل بالأخلاق ، كما اقتصر عليه ابن الراوندي بل و أيضا ما يتصل بالمسائل الإلهية ، فيقول إننا " به وصلنا إلى معرفة البارئ عز و جل و هذا يقطع بأن النبوة أصبحت لا مبرر لها ما دمنا نعرف بالعقل كل شيء أخلاقي و إلهي ، لأن النبوة لا تقوم بأكثر من هذا و لقد كان قول ابن الراوندي – لو أخذ وحده – خليقا بأن يرد عليه بالقول بأن الأنبياء يأتون لبيان الأمور المتصلة بالألوهية ، و لا يقتصرون على الناحية الأخلاقية وحدها. أما الرازي فقد أكد أن العقل هو المرجع في كل شيء ، و راح يشيد بلهجة لا نكاد نجد لها مثيلا عند كبار العقليين في كل العصور ، حتى في العصر الحديث : فالفلاسفة اليونانيون كانوا مع الإيمان بسلطان العقل يتركون للوحي و الإلهام مجالا لنوع من النبوة ، كما يظهر لدى أفلاطون ، فكأن الرازي إذا قد ذرّف على أستاذه و زاده ، مع أنه كان يشايع أفلاطون ، و في العصر الحديث ، لا تزال فكرة اللامعقول تلعب دورا كبيرا في معظم المذاهب الفلسفية.
و ليس من شك في أن الرازي إنما يشير إلى النبوة و الأديان حينما قال في تلك الفقرة عينها : " و إذ كان هذا مقداره و محله و خطره و جلالته ( لاحظ هذا التكرار الذي يرمي إليه الرازي عن قصد ليؤكد ما يشير إليه ) فحقيق علينا ألا نحطه عن رتبته و لا ننزله عن درجته ، أي ليس علينا أن " نجعله – و هو الحاكم – محكوما عليه ، و لا – و هو الزمام – مزموما ، و لا – و هو المتبوع – تابعا " ، و ذلك بالالتجاء إلى سلطة دينية خارجة عن العقل هي النبوة. لهذا يجب أن نفسر هذا الفصل كله من " الطب الروحاني " على أساس فكرة إبطال النبوة عند الرازي ، و إلا لم نفهم الغرض من كل هذه التوكيدات المتكررة المتوالية. و لقد كان الملاحدة يلجأون جميعا إلى الإشادة بالعقل كيما يكون في مقابل النبي. و لما كانت المقدمات التي تقوم عليها نظرية النبوة هي عينها التي تقوم عليها فكرة الإمامة و مهمة الأئمة عند الإسماعيلية فقد عنى الإسماعيلية بالرد على منكري النبوة ، و هذا يفسر لنا كون بعض الردود قد وردت في كتب الإسماعيلية. ذلك أن الإسماعيلية ، على اختلاف فرقها من إسماعيلية حقيقية و باطنية و قرامطية ، خصوصا فرقة السبعية ترد العلم كله إلى الأئمة المعصومين الذين يؤخذ عنهم وحدهم العلم. فكما يقول ابن الجوزي عن سبب تسمية فرقة " التعليمية " بهذا الاسم : " إن مبدأ مذهبهم إبطال الرأي ، و إفساد تصرف العقول ، و دعوة الخلق إلى التعليم في الإمام المعصوم ، و أنه " لا مدرك للعلوم إلا بالتعليم " ( 2 ). و قال أيضا : " و اعلم أن مذهبهم ظاهره الرفض و باطنه الكفر و مفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم و عزل العقول عن أن تكون مدركته ( لعل الصواب : مدركة ) للحق " ( المرجع نفسه ، ص 262 س 19 و ما يليه ).
فكان من الطبيعي إذا و قد كان هذا مذهبهم أن يهاجموا كل من يتعرض بالنقد لنظرية النبوة ، ما دامت هذه النظرية تقوم على أساس تفضيل الله لبعض الناس كيما يكونوا مصدر المعارف و الهداية للناس.
و بعد أن أنكر الرازي النبوة على الأساس العقلي العام راح يفند إمكانها بطريقة مفصلة فقال في مناظرته مع أبي حاتم الرازي حينما ناظره في أمر النبوة : " من أين أوحيتم أن الله اختص قوما بالنبوة دون قوم ، و فضلهم على الناس ، و جعلهم أدلة لهم ، و أحوج الناس إليهم ؟ و من أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختارهم لهم ذلك و يشلى بعضهم على بعض و يؤكد بينهم العداوات و يكثر المحاربات و يهلك بذلك الناس ؟" ( 3 ) و النقد هنا يقوم على الاعتبارات التالية :
أولا : على أي أساس يفضل الله بعض القوم على بعض و يختص بالنبوة ؟.
ثانيا : أليس في هذا التفضيل مدعاة للشقاق بين الناس ، و قد حدث هذا فعلا بما جرى من تنازع بين أصحاب الأديان المختلفة ؟ أما عن المسألة الأولى فيرى الرازي أن الجكمة الإلهية تقتضي أن يتساوى الناس في استعدادهم لإدراك المنافع و المضار و تمييز الخير من الشر ، و أن لا يدع بينهم مجالا للتنازع بتفضيل بعض الأفراد ، إذ سيكون لكل فرد أتباع و شيع ، مما يؤدي إلى الشقاق. و إذا " فالأولى بحكمة الحكيم و رحمة الرحيم أن يلهم عباده أجمعين معرفة منافعهم و مضارهم في عاجلهم و آجلهم ، و لا يفضل بعضهم على بعض فلا يكون بينهم تنازع و لا اختلاف فيهلكوا. و ذلك أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمة لبعض ، فتصدق كل فرقة إمامها و تكذب غيره و يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف و يعم البلاء و يهلكوا بالتعادي و المحاربات. و قد هلك بذلك كثير من الناس كما نرى " ( الموضع نفسه).
و هنا يرد عليه أبو حاتم مبينا اختلاف الناس و تفاوت مراتبهم ، " فإنا لا نرى في العالم إلا إماما و مأموما ، و عالما و متعلما ، في جميع الملل و الأديان و المقالات من أهل الشرائع و أصحاب الفلسفة التي هي أصل مقالتنا ، و لا نرى الناس يستغني بعضهم عن بعض ، بل كلهم محتاجون بعضهم إلى بعض ، غير مستغنين بغلامهم عن الأئمة و العلماء ، لم يلهموا ما ادعيت من منافعهم و مضارهم في أمر العاجل و الآجل ، بل أحوجوا إلى علماء يتعلمون منهم ، و أئمة يقتدون بهم ، و راضة يروضونهم. و هذا عيان لا يقدر على دفعه إلا مباهت ظاهر البهت و العناد. و إنما مع ذلك تدعى أنك خصصت بهذه العلوم التي تدعيها من الفلسفة ، و أن غيرك قد حرم ذلك و أحوج إليك ، و أوجبت عليهم التعلم منك و الاقتداء بك ( 4 ) ".
فأجابه الرازي : " لم أخص بها أنا دون غيري ، و لكني طلبتها و توانوا فيها. و إنما حرموا ذلك لإضرابهم عن النظر ، لا لنقص فيهم. و الدليل على ذلك أن أحدهم يفهم من أمر معاشه و تجارته و تصرفه في هذه الأمور ، و يهتدي بحيلته إلى أشياء تدق عن كثير منا ، و ذلك لأنه صرف همته إلى ذلك. و لو صرف همته إلى ما صرفت همتي أنا إليه و طلب ما طلبت لأدرك ما أدركت " ( 5 ). و في هذا الجواب نجد أصداء لأفلاطون و نظريته في التعليم ، خصوصا كما عرضها في محاورة " مينون " : فالأمر عند الرازي كما هو عند أفلاطون أمر إيقاظ و استغلال لاستعدادات موجودة بالفطرة في نفوس كل منا منذ ميلاده ، و مهمتنا نحن إيقاظ هذا الكامن و استغلال ما هو فطري. و مع هذا فإن الرأي عند الرازي أن الناس يولدون و عندهم استعدادات متساوية ، و إنما يأتي التفاوت فيما بعد من إيثار بعضهم تنمية ملكات على أخرى ، و توجيه عنايتهم إلى نواح دون نواح. و لذا فحينما سأله أبو حاتم : " هل يستوي الناس في العقل و الهمة و الفطنة ، أم لا ؟". أجاب : " لو اجتهدوا و اشتغلوا بما يعنيهم ( و في قراءة : يعينهم ، و لكنا نفضل الأولى ) لاستووا في الهمم و العقول " ( ص 296 س 19 – س 20 ) فيرد عليه أبو حاتم بكلام وجيه لا يعنينا هنا بيانه لأن الذي يهمنا هو بيان نظرية أبي بكر الرازي وحده.
أما عن المسألة االثانية فقد فصل الرازي القول فيها في كتابه " مخاريق الأنبياء " كما يتبين من الشذرات التي يوردها أبو حاتم ، فبين الاختلاف بين الأنبياء ، و كيف أدى إلى النزاع بين أصحابها. روى أبو حاتم : " و أما قوله ( أي أبا بكر الرازي ) : الآن ننظر في كلام القوم و مناقضته – يعني بذلك كلام الأنبياء عليهم السلام – و قال : زعم عيسى أنه ابن الله ، و زعم موسى أنه لا ابن له ، و زعم محمد أنه مخلوق كسائر الناس. و ماني و زرهشت ( يقصد زرادشت ) خالفا موسى و عيسى و محمد في القديم ، و كون العالم ، و سبب الخير و الشر ، و ماني خالف زرهشت في الكونين ( أي النور و الظلمة ) و عالمهما. و محمد زعم أن المسيح لم يُقتل ، و اليهود و النصارلا تنكر و تزعم أنه قتل و صلب " ( 6 ) . و اتخذ الرازي من هذا التناقض بين الأنبياء دليلا على بطلان النبوة ، لأن النبوة في أصلها تقوم على أساس الإلهام و الوحي من الله الواحد ، فما دام المصدر واحدا ، فالواجب أن يتحد القول الصادر عنه ، و إلا نسبنا التناقض و الاضطراب إلى الله نفسه ، و هذا مستحيل على الله الحكيم فوجود التناقض بين الأنبياء – مع ادعائهم جميعا أنهم إنما يصدرون عن وحي الله الواحد – إنما يدل على أنهم غير صادقين ، و أن النبوة التي يقولون بها باطلة.
و من هنا يمكن تلخيص الأسس التي بنى عليها الرازي إبطاله للنبوة على هذا النحو :
1 – العقل يكفي وحده لمعرفة الخير و الشر و الضار و النافع في حياة الإنسان و كاف وحده لمعرفة أسرار الألوهية ، و كاف كذلك وحده لتدبير أمور المعاش و طلب العلوم و الصنائع فما الحاجة بعد إلى قوم يختصون بهداية الناس إلى هذا كله ؟
2 – لا معنى لتفضيل بعض الناس و اختصاص الله إياهم بإرشاد الناس جميعا ، إذ الكل يولدون و هم متساوون في العقول و الفطن ، و التفاوت ليس إذا في المواهب الفطرية و الاستعدادات و إنما هو في تنمية هذه المواهب و توجيهها و تنشئتها.
3 – الأنبياء متناقضون فيما بينهم ، و ما دام مصدرهم واحدا ، و هو الله فيما يقولون ، فإنهم لا ينطقون عن الحق و النبوة و بالتالي باطلة.
هوامش المؤلف :
1 – رسائل فلسفية لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي ، ج 1 ص 17 س 16 – ص 18 س 16 . نشرها باول كروس ، القاهرة سنة 1939 .
2 – فصل من كتاب المنتظم في التارلايخ لابن الجوزي نشره جوزف دي سوموجي في مجلة الدراسات الشرقية ط ج 13 ( سنة 1932 – سنة 1933 ) ص 261 س 2
J de Somogyi : A treatise on the Qarmatians in the qitab al Muntazam in RSO.
3 – رسائل فلسفية ج 1 ص 295 س 3 – س 6 .
4 - الكتاب نفسه ص 269 س 5 – 13 .
5 – رسائل فلسفية ص 296 س 14 – س 18 .
6 – باول كروس : فصول مستخرجة من كتاب أعلام النبوة لأبي حاتم الرازي ، منشور في مجلة " شرقيات " Orientalia ج 5 سلسلة جديدة ، كراسة 3 / 4 ، روما سنة 1936 ص 362 ، قطعة رقم 8 س 4 – س 6 . و قارن أيضا القطعة رقم 12 س 7 – س 9 


3 - نقد الكتب المقدسة 


و يوجه الرازي عناية خاصة إلى الكتب المقدسة ، فيحاول بيان فسادها بواسطة ما فيها من تناقض و إحالات. و نقده يهدف خصوصا إلى ما فيها من تشبيه و تجسيم ، فيأخذ على التوراة و القرآن و الحديث النبوي هذه الناحية. " فذكر ما في التوراة من ظاهر ما رسمه موسى عليه السلام في ذكر البساط و الخوان و وضع الشحم و الشرب على النار لشمة الرب ( في الأصل السنة ) ، و انه عتيق الأيام في صورة شيخ أبيض الرأس و اللحية ، و ما ذكر عن رواة الحديث و أعلام الأمة ، و نسبهم إلى الجهل. و ذكرهم بالتشنيع ( في الأصل : بالتسبيح ) لرواياتهم الأخبار التي ادعى عليها التناقض و التي تدل على التشبيه ، مثل ما روى عن النبي صلى الله و عليه و آله أنه قال : " رأيت ربي في أحسن صورة ، و وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثندوتي " ، و ما في القرآن من الآيات التي ظاهر ألفاظها يدل على التشبيه مثل قوله عز و جل : " الرحمن على العرش استوى ( 1 ) " ، و قوله : " و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ( 2 ) " ، و قوله : " الذين يحملون العرش و من حوله ( 3 ) " ، و قول رسول الله صلى الله عليه و آله : " جانب العرش على منكب إسرافيل و إنه ليئط أطيط الرحل الجديد..." ( قطعة رقم 9 س 9 – س 20 ).
و لا يعني الرازي هنا أن يحسب حسابا لحركة التفسير العقلي لهذه الآيات و الأحاديث ، و هي الحركة التي قام بها المعتزلة خصوصا في القرنين الثاني و الثالث ، و لعله رأى أن هذا التفسير إنما هو نوع من التأويل إنقاذا لهذه الآيات من ظاهر ما تدل عليه مما يتنافى مع كمال الألوهية ، و هو كملحد لا يعتد بالتأويل ، لأنه في نظره و نظر أمثاله تحايل لا أكثر و لا أقل ، و هم إنما يتجهون إلى الأديان كما هي في نصوصها و كما تبدو عليه.
و لسنا ندري إلى أي مدى قام بنقد الكتب المقدسة الأخرى ، لكن يظهر أنه حاول أن يضرب هذه الكتب بعضها ببعض أولا ، ثم يفصل االقول الإيجابي في نقدها من جانبه هو ثانيا. فهو ينقد اليهودية و آثارها عن طريق المانوية ، إذ يقول أبو حاتم عنه : " و استظهر بدعوى المانية أن موسى عليه السلام كان من رسل الشياطين". و قال : من عني بذلك فليقرأ سفر الأسفار ( 4 ) الذي للمانية ، فإنه يطلع على عجائب من قولهم في اليهودية من لدن إبراهيم إلى زمان عيسى عليه السلام " ( قطعة رقم 10 س 7 – س 10 ) ، كما ينقد المسيحية - فيما يلوح ، و إن لم يظهر في النصوص التي بأيدينا – بما ورد في القرآن من تحريف الإنجيل ، كما أنه ينقد القرآن على أساس ما ورد فيه مخالف لما في المسيحية و اليهودية ، فقال : " إن القرآن يخالف ما عليه اليهود و النصارى من قتل المسيح عليه السلام ، لأن اليهود و النصارى يقولون إن المسيح قتل و صلب ، و القرآن ينطق بأنه لم يقتل و لم يصلب و أن الله رفعه إليه " ( قطعة رقم 12 س 7 – س 9 ). فمن هذا التضارب بين الكتب المقدسة يريد أن يصل إلى هذه النتيجة و هي أنها كاذبة لأن التناقض بين أمثالها يؤذن بكذبها جميعا ما دامت تدعي أنها تعود إلى مصدر إلهي واحد.
و لعل أهم عناية وجهها الرازي إلى الكتب المقدسة كانت تلك المتصلة بالقرآن. فهو يقول : " قد و الله تعجبنا من قولكم إن القرآن هو معجز ، و هو مملوء من التناقض ، و هو أساطير الأولين – و هي خرافات ". و هو هنا يهاجم إعجاز القرآن على نحو مشابه لما فعله ابن الراوندي ، فيهاجمه من ناحية النظم و التأليف ، كما يهاجمه من ناحية المعنى ( 5 ).
أما من ناحية نظم القرآن و تأليفه فإنه يقول : " إنكم تدعون إن المعجزة قائمة موجودة – و هي القرآن – و تقولون : " من أنكر ذلك فليأت بمثله " . ثم قال ( أي الرازي ) : إن أردتم بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء و الفصحاء و الشعراء و ما هو أطلق منه ألفاظا ، و أشد اختصارا في المعاني ، و أبلغ أداء و عبارة و أشكل سجعا ، فإن لم ترضوا بذلك فإنا نطالبكم بالمثل الذي تطالبونا به ( قطعة رقم 16 س 3 – س 8 ). و الشبه واضح بين هذا القول و بين قول ابن الراوندي : إننا نجد في كلام أكثم بن صيفي أحسن من بعض سور القرآن ، و إن كان الرازي لم يذكر بليغا بعينه. و هذا الطعن في إعجاز القرآن من حيث النظم ينقسم إلى أقسام : من حيث الألفاظ ، و من حيث التراكيب ، و من حيث القدرة على الأداء أي الفصاحة ، و من حيث الموسيقى اللفظية. فيرى أن في كتابات البلغاء ألفاظا أكثر طلاقة ، و لعله يقصد بالطلاقة هنا السهولة و عدم التعقيد اللفظي ، و هو إن لم يشر إلى بلغاء معينين ، فلعله يقصد الألفاظ السهلة التي يستعملها خصوصا كاتب مثل ابن المقفع ، فلعله يعجب بأسلوب علمي كهذا أكثر مما يعجب بالأساليب الإنشائية، نظرا إلى ذوقه العلمي الذي يميل إلى التدقيق و البساطة أكثر ما يميل إلى التفخيم و جلال اللفظ. و ينقد تأليف القرآن ثانيا من ناحية طريقة التركيب ، أي الأسلوب بالمعنى المحدود ، فيأخذ عليه إسهابه و تطويله و تكراره ، و هو هنا أيضا يحكم ذوقه العلمي في الأسلوب ، و لا يعجب بالأساليب المطولة ذوات الفواصل المتكررة المعاني ، لذا لا ينتظر منه أن يعجب بأسلوب كأسلوب الجاحظ . ثم يهاجمه من حيث البلاغة و الفصاحة ، أي القدرة على أداء المعنى المقصود من أيسر طريق. و لقد كان هذا هو المثل الأعلى للبلاغة في ذلك العصر ، خصوصا بتأثير كتاب " الخطابة " لأرسطو و ما قام حوله و تأثر به من دراسات بلاغية كما يظهر من " نقد النثر " لقدامة بن جعفر. و أخيرا يتطرق الرازي إلى الناحية الموسيقية في نظم القرآن فيقول إن في كلام البلغاء ما هو أشكل منه سجعا ، و " أشكل " هنا بمعنى أنضج أي من شأنه أن يكون أكثر موسيقية. و هذا إما بأن تكون الكلمات المسجوعة أقرب في تشابه حروفها الأخيرة ، و لعله لاحظ هنا اعتماد القرآن على الحروف المتقاربة دون المتساوية في بعض الأسجاع ، و إما يكون السجع أقرب إلى العفو و الطبيعة بحيث لا يشعر المرء بأنه مقصود إليه أو معتسف.
أما من حيث المعنى فقد هاجم القرآن من عدة نواح تختلف عن تلك التي هاجمه منها ابن الراوندي. و لا عجب فأبن الراوندي كان يجول في محيط كلامي ديني ، لهذا تركز نقده في هذه النواحي ، أما الرازي فقد كان يجول في جو علمي. و هذه النواحي التي هاجم منها الرازي هي أولا أن القرآن مملوء بأساطير الأولين ، و ثانيا أن فيه تناقضا بين بعض أجزائه و بعض ، و ثالثا أنه لا توجد فيه فائدة. قاتل الرازي : " قد و الله تعجبنا من قولهم في حكاية أساطير الأولين ، مملوء مع ذلك تناقضا ، من غير أن تكون فيه فائدة أو بينة على شيء " ( قطعة رقم 16 س 8 – س 10 ).
و فيما يتصل بالناحية الأولى لا نجد في النصوص التي بين أيدينا ما يفصل القول فيها لكن يمكن افتراض أن نقده هنا إنما سحبه من التوراة على القرآن ، فبعد أن بين أن الأقوال الواردة في التوراة أسطورية ، قال إنها هي التي رددها القرآن ، فهو الآخر مملوء بأساطير الأولين التي هي خرافات ( قطعة رقم 11 س 2 ). و نقده للتوراة يتصل بنبوءات النبي دانيال خصوصا ، كما يذكر أبو حاتم. و كم كان بودنا أن نعرف كيف قام الرازي بهذا النقد التاريخي ، كيما نطلع على هذه الناحية من نواحي نشاطه العقلي.
و لقد بينا من قبل الناحية الثانية من هذا النقد ، و نعني ما أشار الرازي إليه من تناقض في القرآن ، و ذلك خصوصا بمسألة التجسيم و التشبيه و ما يخالف هذا من نعت القرآن لله بأنه " ليس كمثله شيء ( سورة 42 : 9 ) ، ثم الآيات المتصلة بالجبر و الأخرى التي تقول بالاختيار.. و لعل الرازي قد استقى هذه المسائل من كتب الكلام نفسها.
و الناحية الثالثة هي التي يوجه إليها الرازي كامل عنايته ، على الأقل فيما يبدو من النصوص التي لدينا. فهو يريد أولا أن يرد على الخصم حجته ، هذا الخصم يقول : " من أنكر ذلك ( أي إعجاز القرآن ) فليأت بمثله " ، فيقول الرازي : و نحن نقول لكم كذلك إئتونا بمثل ما في كتاب أصول الهندسة و المجسطي و غيرهما. قال الرازي : " إنا نطالبكم بالمثل الذي تزعمون أنا لا نقدر أن نأتي به " ، و هو بهذا التحدي يشير إلى أن الحجة نفسها ترتد على الخصم ، فليس في وسع أحد أن يأتي تماما بما أتى به آخر.
و هو يريد ثانيا أن يبين أن هذه الكتب العلمية و أمثالها أكبر فائدة و نفعا من القرآن و الكتب الدينية عامة ، لأن في الأولى من العلم ما فيه فائدة للناس في معاشهم و أحوال دنياهم ، بينما القرآن ( و كذلك الكتب الدينية الأخرى ) لا تفيد شيئا . فإن كان لا بد من التحدث عن الإعجاز و الحجة ، فالأولى بهما أن يعزيا إلى مثل هذه الكتب النافعة. قال الرازي : " و أيم الله لو وجب أن يكون كتاب حجة ، لكانت أصول الهندسة ، و المجسطي الذي يؤدي إلى معرفة حركات الأفلاك و الكواكب ، و نحو كتب المنطق ، و كتب الطب الذي فيه علوم مصلحة للأبدان – أولى بالحجة مما لا يفيد نفعا و لا ضرا و لا يكشف مستورا ، يعني به القرآن العظيم. و قال أيضا : و من ذا يعجز عن تأويل الخرافات بلا بيان و لا برهان إلا دعاوى أن ذلك حجة؟ و هذا باب إذا دعا إليه الخصم سلمناه و تركناه و ما قد حل به أن سكر الهوى و الغفلة مع ما إنا نأتيه بأفضل منه من الشعر الجيد و الخطب البليغة و الرسائل البديعة ما هو أفصح و أسجع منه. و هذه معاني تفاضل الكلام في ذاته ، فأما تفاضل الكلام على الكتاب فللأمور كثيرة فيها منافع كثيرة ، و ليس في القرآن شيء من ذلك الفضل ، إنما هو في باب الكلام ، و القرآن خلو من هذه التي ذكرناها " ( قطعة رقم 17 س 1 – س 11 ).
فنقد الرازي هنا يتجه إذا إلى بيان ما في الكتب العلمية من نفع لصلاح معاش الناس في دنياهم ، بينما لا يوجد في الكتب الدينية ، فهي أكثر فائدة إذا من الكتب الدينية. و هنا نشاهد في رد أبي حاتم على أبي بكر الرازي صاحبنا تلك الظاهرة التي نجدها في العالم الأوروبي اليهودي و المسيحي ، خصوصا عند فيلون اليهودي و القديس أوغسطين في " مدينة الله " و عند روجر بيكون ، و نعني بهذه الظاهرة نسبة العلوم التي اكتشفت إلى وحي الله على لسان الأنبياء ، و ما العلماء و الفلاسفة إلا آخذون متلقون عن هؤلاء الأنبياء الذين أوحى الله إليهم هذه العلوم.
فبينما الرازي يقول : " إن الفلاسفة استدركوا هذه العلوم بآرائهم و استنبطوها بدقة نظرهم و ألهموا ذلك بلطافة طبعهم – يعني ما في كتب الطب من معرفة طبائع العقاقير و الخصوصيات التي فيها. و ما في المجسطي و بطليموس من معرفة حركات الفلك و الكواكب و حساب النجوم و ما فيه من اللطائف و الأحكام ، و ما في إقليدس من علم الهندسة و المساحات ، و معرفة مقدار عرض الأرض و طولها و مسافة ما بين السموات و غير ذلك مما في هذه الكتب. فزعم الملحد ( أي الرازي ) أن ذلك كله باستنباط و إلهام ، و أنهم استغنوا عن أئمتنا في ذلك ، يعني الأنبياء عليهم السلام. ثم افتخر و قال : إن نفعها و ضرها أكثر من نفع كتب الشرائع و ضرها ، و تحجج بذلك. ثم قال : أخبرونا أين ما دلت عليه أئمتكم من التفرقة بين السموم و الأغذية ، و أفعال العقاقير ؟ أرونا منه ورقة واحدة كما نقل عن بقراط و جالينوس الآلاف لا الآحاد ( أي من الأوراق ) ، و قد نفع الناس و أرونا شيئا من علوم و حركات الفلك و علله نقل عن رجل من أئمتكم أو شيئا من الطبائع اللطيفة الطريفة نحو الهندسة و غير ذلك من أمر اللغات. لم تكن معروفة ، اخترعها أئمتكم؟ ثم قال : إن قلتم إن هذا كله أخذ أصله من أئمتنا ، قلنا هذه دعوى غير صحيحة و لا مسلمة لكم. و إنا لنعرف ما تدعون أنه من أئمتكم ، و هو الضعف الوتح ( اي القليل التافه الخسيس ) الذي شاع ذكره في عوام الناس و خواصهم. ثم قال : فإن قلتم : فمن أين عرف الناس أفعال العقاقير في الأبدان و حركة الفلك ، و بأي لغة تدعى إلى اختراع اللغات ؟ فإن لنا في ذلك أقاويل تستغنى عن أئمتكم ، فمنها ما تكون مستخرجة على رسومها المعروفة المشهورة عند أهلها كالأرصاد للنجوم و معرفة أفعال العقاقير في الأبدان و معرفة علومها و قوامها بالطعوم و الأراييح ، و منها ما أخذت أولا عن أول إلى نهاية الزمان ، و منها أن تكون معرفتها بالطبع كما يحسن الإوز السباحة من غير تعليم من أئمتكم و يدحض الاحتجاج الذي احتججتم به ( 6 ) – بينما يقول الرازي هذا مفسرا كيفية نشأة العلوم نرى أبا حاتم يرد عليه قائلا : " و أما هذه الكتب التي ذكرها و ذكر أنها ( نقلت ) عن أئمتهم ( أي الفلاسفة و العلماء ) فانا نقول : إنها من رسوم الحكماء الصادقين المؤيدين من الله ( ع ج ) ، و ليس اسم أئمتهم فيها إلا عارية. و هذه الأسماء التي نسبت هذه الكتب إليها مثل جالينوس و بقراط و إقليدس و بطليموس و غير ذلك مما يشاكلها فهي أسماء كني بها عن أسماء الحكماء الذين وضعوا هذه الكتب ، و هذه الكتب هي مبنية على الحكمة الصحيحة و الأصول المنتظمة. و قد كنت ناظرت االملحد ( اي الرازي ) علي أشياء هي في كتاب بليناتس ، و قد ذكر لنا أن صاحب هذا الكتاب محدث و أنه كان في هذه الشريعة ( أي الإسلام ) و تسمى بهذا الإسلام و وضع هذا الكتاب – و قد ذكرنا شيئا من كلامه و الأمثال التي ضربها كتابه – فذاكرت الملحد بذلك فقال : هذا هو صحيح و قد عرفناه ، و اسم هذا الرجل فلان ، و كان في أيام المأمون و كان حكيما متفلسفا. و هذا كنا سمعناه من غيره. فهذا الرجل سلك سبيل أولئك الحكماء و القدماء ، و تسمى بهذا الاسم الذي يشاكل تلك الأسماء ، و كلامه من ذلك االنوع ، و لكنه قد جود االقول في التوحيد و رد على أصحاب الإثنين الملحدين ... و هكذا كان سبيل سائر الحكماء الذين تسموا بهذه الأسماء " ( قطعة رقم 20 س 1 – س 17 ).
من هذا الاقتباس الطويل ( 7 ) يتبين لنا أن الرازي يرى أن العلوم إنما استخرجها الفلاسفة و العلماء بعقولهم ، و هي كافية لتحصيلها كما روينا من قبل في وصفه للعقل ، و لا حاجة إلى الأنبياء من أجل هذا التحصيل ، كما أنه لم يرد عن الأنبياء شيء في هذا الباب ، ثم يوضح طرق تحصيل العلم فيردها إلى ثلاثة : التحصيل العقلي وفقا لقواعد البحث و البرهان الممعروفة ، و النقل من السلف إلى الخلف و هكذا إلى غير نهاية بالرواية الصحيحة كما هي في علم التاريخ ، و الفطرة و الغريزة اللتان بهما يدرك الإنسان ما يحتاج إليه في معاشه و بقائه دون معلم و لا إعمال ذهن و لا تلقين من رواة. و لقد كان الرازي موفقا حقا في حصر طرق العلم هذه و إن كان لم يأت فيها بجديد غير ما هو معروف في مقدمات الكتب المنطقية ، فيما عدا الطريق الثاني ، طريق الرواية التاريخية. و على العكس من هذا نرى أبا حاتم الرازي يعنى برد هذه العلوم و المعارف كلها إلى الأنبياء و الأئمة ، و قد كان واجبا عليه أن يقف هذا الموقف لأنه إسماعيلي ، و قد رأينا نظرية الإسماعيلية في التعليم و كيف أنها ترد العلوم كلها إلى الأئمة المعصومين ، فكان طبيعيا أن يناضل عن هذا الرأي. و الطريف حقا هو تفسيره لنسبة هذه العلوم المعروفة إلى أمثال جالينوس و إقليدس و بقراط و بطليموس ، فهو يزعم أن هذه الأسماء ما هي إلا أسماء مستعارة " كنى بها أسماء الحكماء الذين وضعوا هذه الكتب ، و هذه الكتب هي مبنية على الحكمة الصحيحة و الأصول المنتظمة " ، أي على الوحي الذي تلقاه الأنبياء عن الله ، و يضرب لهذا مثلا بما جرى لكتاب بلنياس ( 8 ) من أن مؤلفه رجل محدث كان في عهد المأمون و أنه ألف الكتاب و نسبه إلى اسم بانياس ، مستعيرا هذا الاسم ، و كذلك فإن الأسماء المذكورة على أنها أسماء مؤلفي الكتب العلمية هي أسماء مستعارة ، و الواقع ان الكتب للأنبياء و مأخوذة عما تلقوه من وحي.
و هذا التفسير بعينه هو الذي نجد نظيره عند فيلون ( 9 ) و أوغسطين و روجر بيكون ، و هو الموقف الديني الذي لا بد أن يقفه رجل الدين في دفاعه عن حكمة الأديان ضد حكمة العلماء الدنيويين. و لذا لم يكن غريبا أن نجد تشابها كاملا في الموقفين بين العالم اليهودي و العالم المسيحي و العالم الإسلامي ، و أكد هذه الظاهرة في الإسلام مذهب الإسماعيلية بما تقتضيه نظرياته في الإمام المعصوم و التعليم. و هذا هو الأصل فيما نجده في كتب تواريخ العلماء و الحكماء في الإسلام من نسبة بعض العلوم إلى الأنبياء مثل إدريس الذي يقال إنه هرمس ( 10 ) . و لعلنا نعود إلى تفصيل هذه الظاهرة الإسلام و نتابع تطورها في فرصة أخرى ، مكتفين هنا بتسجيلها فحسب.
و الرازي يثير أيضا على هامش تلك المسألة العامة في نقد القرآن و الكتب المقدسة مسألة اللغات و كيف نشأت و قد رأيناها مفصلة بعض التفصيل في مقال كروس عن ابن الراوندي ( ص 122 – ص 126 ) و عرفنا قول الرازي و ما يثيره من مسائل ، فلا داعي إلى العود.
و من هذا كله يتبين لنا أن الرازي في نقده للقرآن من حيث المعنى قد عني خصوصا ببيان ما فيه من فوائد تتصل بأحوال الناس في حاجاتهم و معاشهم و عارضها بما في كتب العلماء و الحكماء من فوائد أجزل و أكبر في: نه يقف نفس الموقف الذي نشاهده لدى الملحدين من العلماء في العصر الحديث و بخاصة في القرن الثامن عشر و النصف الأول من القرن التاسع عشر ، و في وسع المرء أن يعقد مقارنات طريفة بين هذا الموقف و موقف مفكر حر آخر مثل فولتير : فكلاهما مؤمن بالعقل و مؤمن بالألوهية ، و كلاهما كافر بالأنبياء و الأديان خاصة على اختلافها ، و كلاهما كان متشائما يرى الشر في الوجود أكثر من الخير : أما فولتير فقد عبر عن رأيه هذا مرارا خصوصا في قصيدته التي نظمها عن " زلزال لشبونة " أما الرازي فرأيه هذا مثبوت في كتبه خصوصا في مواضع متفرقة من " الطب الروحاني " و مقالته في اللذة بعنوان " كتاب اللذة" ، و كذلك في كتاب " العلم الإلهي " إذ يذكر موسى بن ميمون في " دلالة الحائرين " ( جـ 3 ف 12 ، جـ 3 ص 18 من طبعة منك ، باريس سنة 1836 . انظر : رسائل فلسفية لأبي بكر الرازي ، نشرة كروس ، ص 179 – ص 180 ) أن " للرازي كتابا مشهورا وسمه بالإلهيات ضمنه من هذياناته و جهالاته عظائم ، و من جملتها غرض ارتكبه : و هو أن الشر في الوجود أكثر من الخير ، و أنك إذا قايست بين راحة الإنسان و لذاته في مدة راحته ، مع ما يصيبه من الآلام و الأوجاع الصعبة و العاهات و الزمانات و الأنكاد و الأحزان و النكبات – فتجد أن وجوده – يعني الإنسان – نقمة و شر عظيم طلب به. و أخذ أن يصحح هذا الرأي باستقراء هذا البلايا ليقوم كل ما يزعم أهل الحق من إفضال الإله وجوده البين و كونه تعالى الخير المحض ، و كلا ما يصوره محض بلا شك". و هو قول يشبه تماما قول بيرن : " عد ساعات سرورك ، و عد أيامك الخوالي من البلبال فأيا ما كنت ، اعترف بأن ثمت ما هو أحسن منه هو أن لا توجد " ( 11 ).
و قد بسط الرازي آراءه في شقاء الدنيا من هذه الناحية في فلسفته في اللذة و الألم التي عرضها في كثير من مقالاته و كتبه. بيد أننا لا نستطيع الجزم بموقف الرازي من العناية الإلهية ، و ذلك لأننا نراه يؤمن بوجود خالق حكيم ، إذ له كتاب بهذا العنوان " كتاب أن للإنسان خالقا حكيما " ( " الفهرست " لابن النديم ص 416 س 18 من الطبعة المصرية سنة 1929 ) ، ثم نراه يقول هذا صراحة في مناظرته مع أبي حاتم ( 12 ) و يشير إليه في مواضع متفرقة ، مما يدل على أنه كان فعلا يؤمن بوجود خالق حكيم ، و لكننا لا نستطيع أن نؤكد : أكان الرازي يدخل العناية ضمن حكمة الله أم كان يخرجها منها بحسبان الحكمة لا تقتضي بالضرورة العناية ، أو على الأقل العناية الجزئية الخاصة ببني الإنسان ؟ و لو كان لنا أن نرجح لقلنا إن مجرى تفكيره العام يفضي به إلى إنكار العناية الإلهية.

هوامش المؤلف :
1 – سورة 20 : 4 .
2 – سورة 96 : 17 .
3 – سورة 40 : 7 .
4 – هكذا في الأصل و الصواب : سفر الأسرار ، و هو كتاب ماني الرئيسي و في الفهرست لابن النديم بيان أبوابه ( الفهرست ، ص 470 س 9 و ما يليه ، طبعغ مصر سنة 1929 ).
5 – انظر فيما قبل.
6 – قطعة رقم 19 س 4 – س 27 .
7 – أطلنا في الاقتباس لأن النص المنشور في مجلة أورينتاليا من الصعب الحصول عليه.
8 – راجع فيما يتصل بهذذه الفقرة ما قاله كروس في : جابر بن حيان ، ج 2 ص 274 – 275 ، القاهرة سنة 1942
P Kraus : Jabir ibn Hayyan انظر المقال السالف عن جابر.
9 – راجع كتابنا : خريف الفكر اليوناني ، ص 127 ، القاهرة سنة 1943 .
10 – انظر ابن القفطي : إخبار العلماء بأخبار الحكماء ، ص 2 و ما يليها ، طبع مصر سنة 1326 هـ = سنة 1908 .
11 – راجع كتابنا : شوبنهور ، ص 208 ، الطبعة الثانية ، القاهرة ، سنة 19456 .
12 – رسائل فلسفية للرازي ، ص 295 س 14 – س 15 .

4 – خاتمة 
و بالجملة كان الرازي ممن ينكرون النبوات للأسباب التي فصلناها في أول هذا البحث ، و يرى أن العقل الإنساني كفيل وحده بهداية الإنسان إلى السبيل القويم في حجياته ، و ما دام كذلك فإن مبدأ الاقتصاد في الفكر و التقدير يدعو إلى إنكار النبوة ، لذا يقول : " أخبرونا هل يكون مصيبا من وجد إلى أمر طريقين فسلك الأطول منهما و الأوعر ؟ و هل يكون مريدا للأفضل و الأصلح من يجد إلى تعريف شيء من وجهين سبيلا ، فيعرفه من أعسرهما و أبعدهما و أكثرهما ريبا و شكوكا و جلبا لسوء العواقب ، و يدع ما خالف هذه الوجوه ؟ فإن قلتم : لا ، قلنا : فهلا ألهم الله عباده معرفة منافعهم و مضارهم في عاجلهم و آجلهم . أما في عاجلهم فلتصديق كل أمة إمامها و ضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف و اجتهادهم في ذلك". ( قطعة 14 س 1 – س 9 ) . فكأن الخير و الحكمة كانا يقتضيان عدم إرسال الأنبياء حتى لا تقع الفرقة بين الناس ، و لعله هنا يريد أن يعارض الآية : " و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة " ( سورة 5 : 53 ) ، إذ " لو لا ما انعقد بين الناس من أسباب الديانات لسقطت المجاذبات و المحاربات و البلايا ، لأن المنازعات تقع إما لعاجل أو لآجل. و أورد كلاما طويلا في هذا الباب ، و لكن هذه جملته ( قطعة رقم 14 س 9 – س 11 ) ، و كنا نود أن نرى هذا الكلام بالتفصيل ، لنرى إلى أي حد حاول أن يرد على من يؤيدون النبوات أسبابا اجتماعية إصلاحية ذاكرين ما يعود على الناس من فوائد في جماعتهم إن اعتنقوا الأديان و تمسكوا بأوامرها و نواهيها. و هو بهذا لم يدع وجها من أوجه الدفاع عن النبوة إلا هاجمه أو أخضعه لنقد صارم ، خصوصا هذه الناحية المصلحية البرجمتية التي تضاف إلى النبوة حتى مع افنتراض عدم صحتها من الناحية النظرية ، و كأن هذه الفوائد العملية التي تترتب عليها تغني عن البحث في صحتها من الناحية النظرية. و يلوح أنه تناول طويلا هذه الناحية إذ نراه بعد هذا يرد على معترض ينسب هذا التنازع و تلك المحاربات إلى الناس و المعتنقين للديانات ، لا إلى نفسها ، فيقول : " إن قلتم إن المجاذبات و المحاربات من أجل إيثارهم أعراض الدنيا ، قلنا لكم : هل رأيتم أحدا آثر القليل على الكثير إلا لشك منه في نيل الكثير ؟ فإن قلتم : نعم ، كابرتم ، و إن قلتم لا ، فكذلك إيثار المؤثر لأغراض الدنيا و شهواتها على الأمور الجليلة و الثواب العظيم القدر الذي يعجز الواصفون عنه – ليس ذلك إلا لشك منه في نيل ذلك الكثير العظيم الدائم الذي يعجز الواصفون عنه ( لاحظ ما هنا من تهكم ) ، كما نرى الرجل يؤثر المائة الدينار على الألف إذا خاف فوت المائة و الألف ، و إذا كان مستيقنا أنه يصل إلى الألف مع ترك المائة فإه لا يرى أخذ المائة . قال : و كذلك لو أن الناس أخلصوا اليقين بقول أئمتكم فيما و عدوهم من الثواب الجزيل لما آثروا القليل من عاجلهم على الكثير من آجلهم ( القطعة نفسها ، س 12 – س 21 ). و على فإن الرازي يرى أنه حتى من الناحية العلمية -- البرجمتية – لا فائدة في النبوات و الأديان ، فإن أضفت هذا إلى بطلان النبوة من الناحية النظرية ، ثبت – في رأيه – فساد النبوة إطلاقا.
الرازي إذا يؤمن بإله خالق حكيم ، و لكنه لا يؤمن بالنبوة و الأديان ، و ينزع نزعة فكرية حرة من كل آثار للتقليد أو العدوى ، و يؤكد حقوق العقل و سلطانه الذي لا يحده شيء و ينحو منحى تنويريا شبيها كل الشبه بحركة التنوير عند السوفسطائيين اليونانيين ، و خصوصا بحركة التنوير ( 1 ) في العصر الحديث في القرن الثامن عشر ، و يدعو إلى إيجاد نزعة إنسانية خالصة خالطتها روح وثنية حرة ، مما يجعل من الرازي شخصية فكرية من الطراز الأول ، و واحدا من أحرار العقول النادرين في التاريخ ، و من أجرأ المفكرين الذين عرفتهم الإنسانية طوال تاريخها ، و لا يسع المرء إلا أن يمتلئ إعجابا بهذا الجو الطليق الذي هيأه الإسلام للفكر في ذلك العصر ، مما يدل على ما كان عليه العقل الإسلامي في ذلك العصر من خصب و نضوج.
أترى يتحقق مثل هذا الجو مرة أخرى في حضارتنا العربية التي نأمل في إيجادها؟
هوامش المؤلف :
1 - راجع وصفها و خصائصها في كتابنا : نيتشة ص 111 و ما يليها ، الطبعة الثانية ، القاهرة سنة 1945 .

من كتاب : أبو يزيد البسطامي – الأعمال الكاملة – تحقيق : قاسم محمد عباس - دار المدى – دمشق و بيروت - 2004 . ص : 41 – 44

نظرت إلى ربي بعد اليقين بعدما صرفني عن غيره ، و أضاءني بنوره ، فأراني عجائب سره، و أراني هويته ، فنظرت بهويته إلى أنائيتي ، فزال : نوري بنوره، و عزتي بعزته ، و قدرتي بقدرته ، و رأيت أنائيتي بهويته ، و إعظامي بعظمته ، و رفعتي برفعته ، فنظرت إليه بعين الحق ، فقلت له : من هذا ؟ فقال : هذا لا أنا و لا غيري ، لا إله إلا أنا ، فغيرني عن أنائيتي إلى هويته ، و أزالني عن هويتي بهويته ، و أراني هويته فردا ، فنظرت إليه بهويته ، فلما نظرت إلى الحق بالحق رأيت الحق بالحق ، فبقيت في بالحق زمانا لا نفس لي و لا لسان و لا أذن لي ، و لا علم حتى أن الله أنشأ لي علما من علمه ، و لسانا من لطفه، و عينا من نوره، فنظرت إليه بنوره ، و علمت من علمه ، و ناجيته بلسان لطف فقلت : ما بالي بك ؟ فقال : أنا لك بك ، لا إله غيرك. قلت : لا تغرني بي ، أنا لا أرضى بي عنك دونك ، فأرضى بك عنك دوني ، فمن علي به دوني ، فناجيته به دوني ، فقلت : ما لي من يدك عنك يا مناي ، فقال لي : عليك بأمري و نهيي ، فقلت : و ما لي من أمرك و نهيك ؟ قال : ثنائي عليك في أمري و نهيي ، أشكرك على ما أتيتك من أمري ، و أحبك على ما انتهيت من نهيي ، فقلت : إن شكرت فمن نفسك بشكره، و إن ذممت فلست أنت موضع المذمة يا مناي و يا رجائي من بلائي ، و يا شفاي من شقائي.
أنت الآمر ، و أنت المأمور ، و لا إله غيرك ، فسكت عني ، فعلمت أن سكوته رضاه.
ثم قال : من علمك ؟ قلت : السائل أعلم من المسؤول ، أنت المجيب و أنت المجاب ، أنت السائل و أنت المسؤول ، لا إله غيرك.
انقطع حجة الله علي به فرضيت عنه به ، و رضي به علي به ، إذ أنا به ، هو هو ، لا إله إلا هو ، ثم انارني بنور الذات ، و نظرت إليه بعين الفضل فقال : سل ما شئت من فضلي أعطيته. قلت : أنت أفضل من فضلك ، و أنت أكرم من كرمك ، رضيت منك بك ، و انتهيت إليك لا تعرض علي غيرك ، و لا تردني عنك بشيء دونك ، لا تغرني بلطفك و لا بكرمك و لا بفضلك ، فالفضل منك أبدا ، و إليك يعود ، أنت المعيد و أنت المعاد ، و أنت المريد و أنت المراد ، انقطع المراد عنك ، و انقطع الاسؤال عنك ، فلم يجبني زمانا ثم أجابني و قال : حق ما قلت ، و حق ما سمعت ، و حق ما رأيت ، و حق ما حققت ، قلت : بلى أنت الحق ، و بالحق يرى الحق ، أنت الحق و بالحق يتحقق الحق ، و إلى الحق و بالحق يسمع الحق ، أنت السامع و أنت المسمع ، و أنت الحق و أنت المُحِق ، لا إله غيرك ، فقال : ما أنت إلا الحق ، بالحق نطقت ، فقلت : بل أنت الحق ، و كلامك الحق ، و الحق بك حق ، أنت أنت لا إله غيرك ، فقال لي : ما أنت ؟ قلت له : ما أنت ؟ قال : أنا الحق ، فقلت : أنا بك ، قال : إذا كنت أنت بي فأنا و أنت أنا ، فقلت : لا تغرني بك عنك ، بلى أنت أنت لا إله غيرك.
فلما أن صرت إلى الحق ، و أقمت مع الحق بالحق أنشا لي جناح العز و الكبرياء ، فطرت بجناحي فلم أبلغ منتهى عزه و كبريائه ، فدعوته بالاستغاثة به عنه فيما لا طاقة لي به إلا به ، فنظر إلي بعين الجود فقوّاني بقوته ، و زينني بتاج كرامته على رأسه ، و أفردني بفردانيته ، و وحدني بوحدانيته ، و وصفني بصفاته التي لا يشاركه فيها أحد ، ثم قال لي : توحد بوحدانيتي ، و تفرد بفردانيتي ، و ارفع رأسك بتاج كرامتي ، و تعزز بعزتي ، و تجبر بجبروتي ، و اخرج بصفاتي إلى خلقي أر هويتي في هويتك ، و من رآك رآني ، و من قصدك قصدني ، يا نوري في أرضي ، و زينتي في سمائي ، فقلت : أنت عيني في عيني ، و علمي في جهلي ، كن أنت نورك تر بك لا إله إلا أنت.
فأجابني بلسان الرضا و قال : ما أعلمك عبدي ، قلت : أنت العالم و أنت المعلوم ، و أنت المفرد ، و أنت الفرد ، تفرد بفردانيتك ، و توحد بوحدانيتك ، لا تشغلني بك عنك.
انقطع حجة الله علي في فردانيته ، و بوحدانيته في وحدانيته ، فأقمت معه دون تفردي بفردانيته ، فأقمت معه به ، فنى صفاتي بصفاته ، و سقط اسمي باسمه ، و سقط عني أوليته بأوليتي ، و آخريتي بآخريته ، فنظرت إليه بذاته التي لا يراها الواصفون ، و لا يبلغها العالمون ، و لا يفهمها العاملون ، فنظر إلي بعين الذات بعدما سقط اسمي و صفاتي و أولي و آخري و نعتي ، فدعاني باسمه ، و كناني بهويته ، و ناجاني بأحديته ، قال : يا أنا ، فقلت : يا أنت ، فقال لي : فانقطع حجة الله علي به ما سماني باسم من أسمائه إلا سميته به ، و ما وصفني بصفة من صفاته إلا وصفته به ، فانقطع كل شيء مني به ، فبقيت دهرا بلا روح و لا جسم كالميت ، ثم إنه أحياني بحياتي بعدما أماتني ، فقال : لمن الملك اليوم ؟ فلما أن أحياني قلت : لله الواحد القهار ، فقال : لمن الاسم ؟ قلت : لله الواحد القهار ، فقال : لمن الحكم اليوم ؟ فقلت : لله الواحد القهار ، فقال : لمن الاختيار ؟ قلت : للرب الجبار ، فقال : أحييتك بحياتي ، و ملكتك ملكي ، و سميتك باسمي ، و حكمتك بحكمي ، و افهمتك اختياري ، و وافقتك بأسماء الربوبية و الصفات الأزلية ، قلت : لا أدري ما تريد ، كنت لنفسي فلا ترضى ، و كنت لك فلا ترضى ، فقال : لا تكن لنفسك قوة لا لنفسي إني كنت لك حيث لم تكن ، فكن لي حيث لم تكن ، و كن لك ، حيث كنت ، فكن لي حيث كنت ، فقلت : و أنى لي بذلك إلا بك ، فنظر إلي نظرة بعين القدرة ، فأعدمني بكونه، و ظهر في بذاته ، فكنت به ، فانقطع المناجاة ، فصارت الكلمة واحدة، و صار الكل بالكل واحدا، فقال لي : يا أنت ، فقلت به : يا أنا، فقال لي : أنت الفرد، قلت : أنا الفرد، قال لي : أنت أنت ، قلت : أنا أنا، و لو كنت أنا من حيث أنا لما قلت أنا ، فلما أنا ، لم أكن أنا ، فكنت أنت أنت، قال : أنا أنا قولي بأنائيته كقولي بهويته توحيدا، فصارت صفاتي صفات الربوبية ، و لساني لسان التوحيد ، و صفاتي أن هو هو لا إله إلا هو ، فكان ما كان بكونه مما قد كان ، و ما يكون بكونه يكون ما يكون ، صفاتي صفات الربوبية ، و إشاراتي إشارات الأزلية ، و لساني لسان التوحيد.

شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي. الجزء الأول – أبو يزيد البسطامي. مكتبة النهضة المصرية. 1949 . تحقيق : عبدالرحمن بدوي

أبو يزيد البسطامي نصوص غير منشورة

مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي


مخطوط رقم 1505 بالمكتبة الأهلية بباريس 


تحت سنة 261 هـ : ورقة 193 أ
و فيها توفي أبو يزيد البسطامي ، و اسمه طيفور بن عيسى بن شرشوان < و كان > مجوسيا فأسلم. و كان لعيسى ثلاثة أولاد و هو ( أكبرهم ) أ كبرهم ، و طيفور أوسطهم ، و علي أصغرهم. و كانوا كلهم زهادا عبادا. و كان أبو يزيد أفضل أهل زمانه و أجلهم حالا ، و له لسان في المعارف و التدقيق و في علوم المكاشفات و الفناء و البقاء لم يسبق إليه.
ذكر طرف من أخباره
حكى أبو نعيم الأصفهاني و ابن باكويه و ابن خميس في " مناقب الأبرار " طرفا من زهده و كراماته و خوفه و ورعه و جميل صفاته و عباداته.
حدثنا جدي رحمه الله بإسناده إلى العباس بن حمزة يقول : صليت خلف أبي يزيد البسطامي الظهر. فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالا لاسم الله تعالى و ارتعبت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه. فهالني ذلك. – و روى جدي عن ابن ناصر بإسناده إلى عيسى بن آدم ابن أخي أبا يزيد قال : كان أبو يزيد يعظ نفسه فيصيح : يا مأوى كل سوء ! المرأة إذا حاضت طهرت بعد ثلاثة أيام و أكثره عشرة ، و أنت قاعدة منذ عشرين أو ثلاثين ، بعد ما طهرت. فمتى تطهرين ؟ ! إنك تقفين بين يدي الله الطاهر < و الذي يقف بين يدي الطاهر > ينبغي أن يكون طاهرا.
قلت : لم يذكر له جدي في " المنتظم " سوى هذه الكلمات عن العباس بن حمزة و عن عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد. و لا خفاء أن الرجل كان جليلا سيدا عارفا نبيلا. و قد استقصيت أخباره و ذكرت أحواله و آثاره. فأقول :
حكى ابن باكويه بإسناده عن قاسم الحداد قال : خرج أبو يزيد في بعض سياحاته فجاء إلى دجلة فالتقى به الشّطان ، فحول وجهه عنها ثم قال : و عزتك ! إنك تعلم أنني ما عبدتك لهذا ، فلا تحجبني عنك.
و حكى عنه علي بن جهضم في " بهجة الأسرار " قال : صعد أبو يزيد ليلة على سور بسطام ، فدار عليه طوال الليل مجتهدا أن يذكر الله تعالى ، فلم يقدر إجلالا و هيبة. فلما طلع الفجر نزل فبال الدم. قال : و جلس يوما بين يدي المنبر. – و قد حكى هاتين الحكايتين جدي في كتاب " المنتخب في الوعظ".
و حكى عنه أبو عبدالرحمن السلمي قال : قال أبو يزيد : جلست ليلة في المحراب ، فمددت رجلي ، فهتف بي هاتف : يا أبا يزيد ! من يجالس الملوك ينبغ ( 1 ) أن يجالسهم بحسن الأدب.
و حكى عنه ابن جهضم في " البهجة " أنه قال : رأيت رب العزة في المنام فقلت : يا خداه ! كيف الطريق إليك ؟ فارق نفسك و تعال ( 2 ) . و حكاه جدي في " المنتخب ".
و ذكر ابن خميس في " المناقب " عنه أنه أذّن مرة ( 3 ) ثم أراد أن يقيم فنظر في الصف فرأى رجلا عليه آثار السفر ، فكلمه بشيء ، فخرج الرجل من المسجد. فقيل له : ما قال لك أبو يزيد ؟ قال لي : اخرج و اغتسل فما يجوز التيمم في الحضر.
و حكى أيضا قال : اشتهر رجل بالولاية ، فقال أبو يزيد لبعض إخوانه : قم بنا إليه. فدخل الرجل المسجد و بصق تجاه القبلة. فرجع أبو يزيد و قال لصاحبه : امض ( 4 ) بنا ، فهذا غير مأمون على أدب من آداب الشريعة ، فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه من الولاية ؟!
قال : و غسل يوما ثوبه في الصحراء و معه صاحب له فقال له صاحبه : علقه على حائط الكرم فقال : ما أذن لي صاحبه. فقال : علقه على الشجر ؛ ( 194 ا ) فقال : تنكسر أغصانه فيفسد. فقال : ابسطه على الإذْخِر . قال : يفسد ، لأن الله جعله علفاء للدواب. فولى ابو يزيد ظهره إلى الشمس و جعل القميص على ظهره و رأسه و قلبه حتى جف ثم لبسه.
قال : و دخل يوما إلي ، فغرس عصاه في الأرض ، فوقعت على عكاز شيخ إلى جانبه ، فوقع العكاز. فقام الشيخ فانحنى و أخذه. فقام أبو يزيد إلى الشيخ و قبل رأسه و حالله و قال : إنما انحنيت و أخذت العكاز بسببي.
قال : و قدم شقيق البلخي و ابو تراب النخشبي على أبي يزيد و قدمت السفرة و هناك شاب جالس ، فقال له أبو يزيد ( 5 ) قم فكل مع الشيوخ . فقال : أنا صائم . فقال له أبو تراب : كلْ و لك أجر صوم شهر. فأبى. فقال له شقيق : كلْ و لك أجر صوم سنة. فأبى. فقال لهم أبو يزيد : دعوه فقد سقط من عين الله. فأخذ الشاب بعد سنة فقطعت يده.
قال : و قال عمر البسطامي: كنا قعودا في مسجد أبي يزيد ، فقال : قوموا بنا نستقبلْ وليا ( 6 ) من أولياء الله. فقمنا و إذا بإبراهيم بن ستنبه الهروي قد أقبل فقال له ابو يزيد : وقع في خاطري أنني أستقبلك و أشفع لك إلى ربي. فقال له إبراهيم : لو شفعّك في جميع الخلائق لم يكن عجبا: إنما هم قطعة من طين. فتحير أبو يزيد من جوابه.
هوامش المحقق :
1 – ينبغي
2 – تعالى
3 – عرة
4 – أي يقيم الصلاة
5 – أبويز
6 – أوليا

من ديوان ديك الجن الحمصي - جمع و تحقيق : مظهر الحجي



قال ديك الجن يفتخر : 



1 – إنَّي بِبَابِكَ لاوُدِّي يُقَرِّبُني
ولا [ نَسِيبِيَ يَعْلُو بِي ] ولا نَسَبِي
2 – إنْ كَانَ عُرْفُكَ مَذْخُوراً لِذِي سَبَبٍ
فَاضْمُمْ يَدَيْكَ على حُرٍّ أَخِي سَبَبِ
3 – أَوْ كُنْتَ وافَقْتَهُ يوماً على نسَبٍ
فاقْبِضْ يَدَيْكَ فإنِّي لَسْتُ بالعَرَبِي
4 - إني امْرُؤٌ نازلٌ في ذِرْوَتَيْ شَرَفٍ
لِقَيْصَرٍ ولِكسْرَى مَحْتِدِي وأَبِي
5 - فإنْ تَجُدْ تَجِدِ النُّعْمَى وتَحْظَ بها
وإنْ تُضِقْ لا يَضِقْ في الأرضِ مُضْطَرَبِي
6 - حَرْفٌ أَمُونٌ ورَأْيٌ غيرُ مُشْتَرَكٍ
وصَارِمٌ من سُيوفِ الهِنْدِ ذُو شُطَبِ
7 - وخَوْضُ لَيْلٍ تَهابُ الجِنُّ لُجَّتَهُ
ويَنْطَوي جَيْشُها عن جَيْشِهِ اللَّجِبِ
8 - ما الشَّنْفَرى وسُلَيْكٌ في مُغَيِّبَةٍ
إلاّ رَضيعا لِبَانٍ في حِمىً أَشِبِ
9 - وَاللهِ رَبِّ النَّبِيِّ المُصْطَفَى قَسَماً
بَرّاً ،وحَقِّ مِنىً والبَيْتِ ذِي الحُجُبِ
10 - والخَمْسَةِ الغُرِّ أَصْحابِ الكِسَاءِ
مَعاً خَيْرِ البَرِيَّةِ مِنْ عُجْمٍ ومِنْ عَرَبِ
11 - ماشِدَّةُ الحِرْصِ مِنْ شَأْنِي ولا طَلَبِي
ولا المَكَاسِبُ مِنْ هَمِّي ولا أَرَبِي
12 - لكنْ نَوائِبُ نابَتْنِي وحادِثَةٌ
والدَّهْرُ يَطْرُقُ بالأَحْداثِ والنُّوَبِ
13 - وليسَ يَعْرِفُ لِي قَدْرِي ولا أَدَبِي
إلاّ امْرُؤٌ كانَ ذَا قَدْرٍ وذَا أَدَبِ
14 - لا يُفْلِتَنَّكَ شُكْرِي إذْ ظَفِرْتَ بِهِ
فإنَّها فُرْصَةٌ وافَتْكَ مِنْ كَثَبِ
15 - وَاعلَمْ بأنَّكَ ما أَسْدَيْتَ مِنْ حَسَنٍ
عِنْدِي [أَبا حَسَنٍ أَبْقَى] مِنَ الذَّهَبِ

مناسبة هذه القصيدة : 


جاء في (تاريخ دمشق ): ج 42/ 237 – 238 " حَدَّثَنا أَبُو مُوسَى قال: كنتُ عند أَحْمَدَ بنِ المُدَبِّرِ بدِمَشْقَ، وهو يَليها وأَعْمالاً مُضَافةً إليها، لابْنِ طُولُونَ، فقَدِمَ علينا عبدُ السَّلامِ بنُ رَغْبَانَ، المعروفُ بديكِ الجِنِّ، فدفعَ إليَّ شِعْراً، وقال: تُوصله إلى أبي الحَسَنِ - وكان قد أقامَ ببابه أيّاما فلم يَصِلْهُ – فأوصلتهُ، فقرأهُ أَحْمَدُ، فإذا فيه: إني ببابكَ … (الأبيات ). فلما قرأ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ المُدَبِّرِ الشعرَ قال: أُريد أن أَوْلَعَ به. فوَقَّعَ في ظهر الرُّقْعَةِ: 

- ما عندنا شيءٌ فنُعْطِيهِ
ولا يَفِي بالشُّكر شُكْرِيهِ
- فإنْ رَضِي بالشِّعْرِ عن شِعْرِهِ
عارَضْتُ في حُسْنِ قَوافِيهِ
- وإنْ يكنْ تَنْفَعُهُ دَعْوَةٌ
دَعَوْتُ رَبِّي أنْ يُعَافيهِ
- وإنْ رَضِي مِنَّا بِمَيْسُورِنا
أَمَرْتُ يَحْيَى أَنْ يُفَدِّيهِ
وأمرني بإخراج الأبيات إليه، فلما قرأها قال: والله لأُصَيِّرَنَّ باطنَ أُمِّه ظَاهِرَها، فقلتُ له: لا تَعْجَلْ، فإنَّهُ مازَحَكَ، وسترى ! ثم أَذِنَ لهُ، وخَلَعَ عليه وعاشَرَهُ وأَحْسَنَ إليهِ. وتَتَابَعَتْ صِلاتُه لَهُ، وانصرفَ وهو أَشْكَرُ النَّاسِ لَهُ ".
أما عن اسـمه ونسبه ولقبه : 
هو عبدُ السَّلامِ بنُ رَغْبَانَ بنِ عبيد السلامِ بنِ حَبيب بنِ عبدِ الله بنِ رَغْبَانَ بنِ يزيدَ بنِ تَميم بن مَجْد، أبو مُحمد الكَلْبِيُّ، الحِمْصِيُّالسَّلَمانيُّ، الشِّيعيُّ، الشاعرُ المعروف بدِيكِ الجِنِّ .
إن كتب التراث تتّفق على اسمه، كما تتفق على نسبه، باستثناء جده (يزيد)، لأنه جاء في بعضها ( زيد ) ، و ( مزيد ) في بعضها الآخر. ولكنها لا تجمع كلها على لقب ( الكلبيّ )، بل تنفرد كتب المتأخرين بذكره، وهذا يحتاج الكثيرَ من التدقيق والتأمّل، لأن المشهور أن جَدَّه الأعلى ( تميماً ) هو من ( مُؤْتَة )، وأكبر الظن عندي أن المتأخرين استخلصوا هذا اللقب من قصيدته التي يفتخر فيها بقبيلة ( كَلْب )، والتي يقول في مطلعها : 
كَلْبٌ قبيلي وكلبٌ خيـرُ مَنْ وَلَدَتْ حَوَّاءُ من عَـرَبٍ غُـرٍّ ومِن عَجَمِ
والمرجّح عندي أن افتخاره بقبيلة ( كَلْب ) لا ينبع من انتمائه إليها على الحقيقة، 
وقد غلب عليه لقب " دِيكُ الجِنِّ " حتى كاد يطمس اسمه، فأصبحت معظم كتب الأدب تستغني بذكر اللقب عن ذكر اسمه، لأنه أصبح معروفاً به، ومشتهراً شهرة بالغة. وقد ذكرت كتب التراث أسباباً عدة لغلبة هذا اللقب عليه. 
والسبب الأول : إدمانه الخروج إلى البساتين في ظاهر حمص. 
وقد ربط هذا التعليل بين عبد السلام وبين دُوَيِّبَة صغيرة اسمها ( دِيكُ الجِنّ ). يقول الدُّمَيْرِيّ : " ديك الجن دويّبة توجد في البساتين، إذا أُلقيتْ في خمر عتيق حتى تموت. وتُترك في محارة. وتسد رأسها وتدفن في وسط الدار، فإنه لا يوجد فيها شيء من الأَرَضَة. ".
والسبب الثاني : الألوان. 
وقد ربط هذا التعليل بين ألوان الديك المتنوعة وبين عيني عبد السلام الملوّنتين، فشُبِّه بالديك لتلوّن عينيه. ففي ( تاج العروس ) : " والديك أيضاً : الربيع في كلامهم. كأنه لتلوّن نباته. فيكون على التشـبيه بالديك. وديكُ الجِنِّ. لقب عبد السـلام بن رغبان الحمصيّ الشاعر المشهور. وفي (تاريخ دمشق) : " وكانت عيناه خضراوين. ولذلك سُمي ديكَ الجِنِّ ". وقد اتكأ ( الزركلي ) في ترجمته للشاعر. على هذا التعليل، فقال"سُمي بديك الجن لأن عينيه كانتا خضراوين"ـ. 
والسبب الثالث : ذكرُه الديكَ في شعره .
فقد ورد في كتاب ( سرور النفس ) : " عبد السلام بنُ رغبانَ ديكُ الجن يرثي ديكاً لأبي عَمْرو عُمير ابن جَعفر، كان لـه عنده مدة، فذبحه وعمل عليه دعوة. وبها لقب ديك الجن ". ثم يذكر الأبيات ومنها :
دعانا أبو عَمْرٍو عُمَيْرُ بنُ جَعْفَرٍ على لحمِ ديكٍ دعوةً بعد موعدِ
فقدَّمَ ديكاً عُدْ مُلياً مُلَدَّحاً مُبَرْنَسَ أثيابٍ مُؤَذّنَ مَسْجدِ
وقد اتكأ الشيخ محمد السَّماوي، أول جامع لشعره، على هذا التعليل .
والسبب الرابع : جنونه وتقليده صوت الديك .
وقد ورد هذا السبب في كتاب ( نَفْحة اليمن )، في خبر مطول يروي لقاء الخليفة الرشيد بغلام ذميم ضعيف البدن يحفظ ثياب رفاقه وهم يلعبون، وكان ينشد شعراً ومنه :
قـولـي لطَيْفِـكِ يَـنْثَنـي عـنْ مُقْلَـتـي عـند الهُجـوعْ
ويعجب الرشيد بالغلام وشعره. ويسأله تغيير القافية، لأنه شكّ أن يكون الشعر له. فلما غيرها مرتين، سأله عن اسمه، فحمل ثياب رفاقه وصاح : قاق، قاق " فعلم الرشيدُ أنه ديكُ الجِنِّ ". وواضح أن هذه الرواية من صنع المتأخرين لأنه لم يُعرف عن ديك الجن أنه ضعيف، ذميم، أو مجنون، وما عرف عنه أنه دخل بغداد قطّ .
وباستثناء خبر جنونه فإن كل سبب من الأسباب الثلاثة المذكورة آنفاً يصلح ليكون تعليلاً مقبولاً لتسميته بهذا اللقب. لأن هذه الأسباب مرتبطة بالشاعر بشكل أو بآخر؛ بلون عينيه. أو بما أُثر عنه من خروج إلى البساتين، أو بما ورد على لسانه في رثاء الديك.

من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني


ذكر خبر عمر بن أبي ربيعة ونسبه 


نسب عمر بن أبي ربيعة 


هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وقد تقدم باقي النسب في نسب أبي قطيفة. ويكنى عمر بن أبي ربيعة أبا الخطاب . وكان أبو ربيعة جده يسمى ذا الرمحين سمي بذلك لطوله، كان يقال: كأنه يمشي على رمحين. 
أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي ومحمد بن الضحاك عن أبيه الضحاك عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعي. وقيل: إنه قاتل يوم عكاظ برمحين فسمي ذا الرمحين لذلك. 
وأخبرني بذلك أيضا علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب الزبيري والمدائني والمسيبي ومحمد بن سلام، قالوا: وفيه يقول عبد الله بن الزبعرى: 
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم
هشام وأبـو عـبـد مناف مدرة الخصم
وذو الرمحين أشبـاك على القوة والحـزم
فهــــذان يذودان وذا من كثب يرمي
أسود تزدهي الأقـرا ن مناعون للهضـم
وهم يوم عـكـاظ م نعوا الناس من الهزم
وهم من ولدوا أشبوا بسر الحسب الضخم
فإن أحلف وبيت الل ه لا أحلف على إثم
لما من إخـوة بـين قصور الشأم والردم 

بأزكى من بني ريط ة أو أوزن في الحلم أبو عبد مناف: الفاكه بن المغيرة. وريطة هذه التي عناها هي أم بني المغيرة، وهي بنت سعيد بن سعد بن سهم، ولدت من المغيرة هشاما وهاشما ربيعة والفاكه. 
وأخبرني أحمد بن سليمان بن داود الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا: حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال أخبرني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وجئته أطلب منه مغرما - يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة وقل: سمعت حسان ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول: سمعت عائشة تنشدها فعلت. فقال: لا، إلا أن تقول: سمعت حسان ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فأبى علي وأبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال. فأرسل إلي فقال: قل أبياتا تمدح بها هشاما - يعني ابن المغيرة - وبني أمية. فقلت: سمهم لي، فسماهم وقال: اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك. فقلت: 
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم 
قال: ثم جئت فقلت: هذه قالها أبي. فقال: لا، ولكن قل: قالها ابن الزبعري. قال: فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزبعري. 
قال الزبير: وأخبرني محمد بن الحسن المخزومي قال: أخبرني محمد بن طلحة أن عمر بن أبي ربيعة قائل هذه الأبيات: 
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال حدثني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه بمثل ما رواه الزبير عنه. وزاد فيه عمر بن شبة: قال محمد بن يحيى: و أخت بني سهم التي عناها ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، وهي أم بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهم: هشام وهاشم وأبو ربيعة والفاكه، وعدة غيرهم لم يعقبوا، وإياهم يعني أبو ذؤيب بقوله: 
صخب الشوارب لا يزال كأنه عبد لآل أبي ربيعة مسـبـع ضرب بعزهم المثل. 
قال : وكان اسم عبد الله بن أبي ربيعة في الجاهلية بحيرا، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله، وكانت قريش تلقبه العدل ، لأن قريشا كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة، ويكسوها من ماله سنة، فأرادوا بذلك أنه وحده عدل لهم جميعا في ذلك. 
وفيه يقول ابن الزبعري: 
بحير بن ذي الرمحين قرب مجلسي وراح علي خيره غـير عـاتـم 
وقد قيل: إن العدل هو الوليد بن المغيرة. 
وكان عبد الله بن أبي ربيعة تاجرا موسرا، وكان متجره إلى اليمن، وكان من أكثرهم مالا. وأمه أسماء بنت مخربة، وقيل: مخرمة، وكانت عطارة يأتيها العطر من اليمن. وقد تزوجها هشام بن المغيرة أيضا، فولدت له أبا جهل والحارث ابني هشام، فهي أمهما وأم عبد الله وعياش ابني أبي ربيعة. 
أخبرني الحرمي والطوسي قال: حدثنا الزبير قال حدثني عمي عن الواقدي قال: كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة. فقالت الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية - وكان أبوها قتل أبا جهل بن هشام يوم بدر واحتز رأسه عبد الله بن مسعود - وقيل: بل عبد الله بن مسعود هو الذي قتله - فذكرت أن أسماء بنت مخربة دخلت عليها وهي تبيع عطرا لها في نسوة، قالت: فسألت عنا، فانتسبنا لها. فقالت: أأنت ابنة قاتل سيده? تعني أبا جهل. قلت: بل أنا بنت قاتل عبده. قالت: حرام علي أن أبيعك من عطري شيئا. قلت: وحرام علي أن أشتري منه شيئا، فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك، ثم قمت، ولا والله ما رأيت عطرا أطيب من عطرها، ولكني أردت أن أعيبه لأغيظها. 
وكان لعبد الله بن أبي ربيعة عبيد من الحبشة يتصرفون في جميع المهن، وكان عددهم كثيرا، فروي عن سفيان بن عيينة أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى حنين: هل لك في حبش بني المغيرة تستعين بهم؟. فقال: لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا، وإن فيهم لخلتين حسنتين إطعام الطعام والبأس يوم البأس . واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ربيعة على الجند ومخلفيها، فلم يزل عاملا عليها حتى قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. هذا من رواية الزبير عن عمه. قال: وحدثني ابن الماجشون عن عمه أن عثمان بن عفان - رحمه الله - استعمله أيضا عليها. 
أم عمر بن أبي ربيعة وأخوه الحارث الملقب بالقباع 
وأم عمر بن أبي ربيعة أم ولد يقال لها مجد ، سبيت من حضرموت، ويقال من حمير. قال أبو محلم ومحمد بن سلام: هي من حمير، ومن هناك أتاه الغزل، يقال: غزل يمان، ودل حجازي. 
وقال عمر بن شبة: أم عمر بن أبي ربيعة أم ولد سوداء من حبش يقال لهم: فرسان. وهذا غلط من أبي زيد، تلك أم أخيه الحارث بن عبد الله الذي يقال له: القباع ، وكانت نصرانية. وكان الحارث بن عبد الله شريفا كريما دينا وسيدا من سادات قريش. 
قال الزبير بن بكار: ذكره عبد الملك بن مروان يوما وقد ولاه عبد الله بن الزبير، فقال: أرسل عوفا وقعد لا حر بوادي عوف . فقال له يحيى بن الحكم: ومن الحارث ابن السوداء فقال له عبد الملك: ما ولدت والله أمة خيرا مما ولدت أمه. 
وأخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزبير والمدائني والمسيبي: أن أمه ماتت نصرانية وكانت تسر ذلك منه. فحضر الأشراف جنازتها، وذلك في عهد عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه - فسمع الحارث من النساء لغطا، فسأل عن الخبر، فعرف أنها ماتت نصرانية وأنه وجد الصليب في عنقها، وكانت تكتمه ذلك. فخرج إلى الناس فقال: انصرفوا رحمكم الله، فإن لها أهل دين هم أولى بها منا ومنكم فاستحسن ذلك منه وعجب الناس من فعله. 
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء الغناء في ألا لله قوم ... الأبيات 
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم
هشام وأبو عـبـد مناف مدرة الخصم
وذو الرمحين أشباك على القوة والحزم 

فهـــذان يذودان وذا من كثب يرمي عروضه من مكفوف الهزج. 
الغناء لمعبد خفيف رمل من رواية حماد. 
رأي يزيد في غناء معبد وابن سريج 
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال إسماعيل بن مجمع أخبرنا المدائني عن رستم ابن صالح قال: قال يزيد بن عبد الملك يوما لمعبد: يا أبا عباد، أني أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تتحاش أن ترده علي، فقد أذنت لك. قال: يا أمير المؤمنين، لقد وضعك ربك بموضع لا يعصيك إلا ضال، ولا يرد عليك إلا مخطىء. قال: إن الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج: أجد في غنائك متانة، وفي غنائه انحناثا ولينا. قال معبد: والذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وارتضاه لعباده، وجعله أمينا على أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، ما عدا صفتي وصفة ابن سريج، وكذا يقول ابن سريج وأقول، ولكن أن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني ذاك عنده فعل. قال: لا والله، ولكني أؤثر الطرب على كل شيء. 
قال: يا سيدي فإذا كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء وأذهب أنا إلى الكامل التام، فأغرب أنا ويشرق هو، فمتى نلتقي؟. قال: أفتقدر أن تحكي رقيق بن سريج؟. قال نعم، فصنع من وقته لحنا من الخفيف في: 
ألا لـلـه قــوم و لدت أخت بني سهم الأربعة الأبيات. 
فغناه، فصاح يزيد: أحسنت والله يا مولاي أعد فداك أبي وأمي، فأعاد، فرد عليه مثل قوله الأول، فأعاد. ثم قال: أعد فداك أبي وأمي، فأعاد، فاستخفه الطرب حتى وثب وقال لجواريه: افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويدرن معه وهو يقول: 
يا دار دورينــي يا قرقر امسكيني
آليت منـذ حـين حقا لتصرمينـي
ولا تواصلـينـي بالله فارحمينـي 

لم تذكري يميني قال: فلم يزل يدور كما يدور الصبيان ويدرن معه، حتى خر مغشيا عليه ووقعن فوقه ما يعقل ولا يعقلن، فابتدره الخدم فأقاموه وأقاموا من كان على ظهره من جواريه، وحملوه وقد جاءت نفسه أو كادت. 
سيرة جوان بن عمر بن أبي ربيعة 
رجع الخبر إلى ذكر عمر بن أبي ربيعة وكان لعمر بن أبي ربيعة بن صالح يقال له جوان ، وفيه يقول العرجي: 
شهيدي جوان على حبها أليس بعدل عليها جوان 
فأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يحيى بن محمد بن عبد الله بن ثوبان قال: جاء جوان بن عمر بن أبي ربيعة إلى زياد بن عبد الله الحارثي وهو إذ ذاك أمير على الحجاز، فشهد عنده بشهادة، فتمثل: 
شهيدي جوان على حبها أليس بعدل عليها جوان - وهذا الشعر للعرجي - ثم قال: قد أجزنا شهادتك، وقبله. وقال غير الزبير: إنه جاء إلى العرجي، فقال له: يا هذا ما لي وما لك تشهرني في شعرك متى أشهدتني على صاحبتك هذه ومتى كنت أنا أشهد في مثل هذا قال: وكان امرأ صالحا. 
وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بكار بن عبد الله قال: استعمل بعض ولاة مكة جوان بن عمر على تبالة، فحمل على خثعم في صدقات أموالهم حملا شديدا، فجعلت خثعم سنة جوان تاريخا، فقال ضبارة بن الطفيل: 
أتلبسنا ليلى على شعـث بـنـا من العام أو يرمى بنا الرجوان
رأتني كأشلاء اللجام وراقـهـا أخو غـزل ذو لـمة ودهـان
ولو شهدتني في ليال مضين لي لعامين مرا قبل عـام جـوان
رأتنا كريمي معشر حم بينـنـا هوى فحفظناه بحسـن صـيان
نذود النفوس الحائمات عن الصبا وهن بأعنـاق إلـيه ثـوانـي 

ذكر حبش أن الغناء في هذه الأبيات للغريض ثاني ثقيل بالبنصر، وذكر الهشامي أنه لقراريط. 
أمة الواحد بنت عمر بن أبي ربيعة قالوا: وكان لعمر أيضا بنت يقال لها: أمه الواحد وكانت مسترضعة في هذيل، وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة - وقد خرج يطلبها فضل الطريق :
لم تدر وليغفر لها ربهـا ما جشمتنا أمة الواحـد
جشمت الهول براذيننـا نسأل عن بيت أبي خالد
نسأل عن شيخ بني كاهل أعيا خفاء نشدة الناشـد 

مولد عمر يوم قتل عمر بن الخطاب ووفاته وقد قارب السبعين 
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامري أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنا أسامة بن زيد بن الحكم بن عوانة عن عوانة بن الحكم - قال: أراه عن الحسن - قال: ولد عمر بن أبي ربيعة ليلة قتل عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه - فأي حق رفع، وأي باطل وضع. قال عوانة: ومات وقد قارب السبعين أو جاوزها. 
أخبرني الجوهري والمهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثني عبد الله بن الحارث عن ابن جريج عن عطاء قال: كان عمر بن أبي ربيعة أكبر مني كأنه ولد في أول الإسلام. 
عمر في مجلس ابن عباس بالمسجد الحرام 
أخبرني الجوهري والمهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني هارون بن عبد الله الزهري قال: حدثنا ابن أبي ثابت، وحدثني به علي بن صالح بن الهيثم عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي والزبيري والمدائني ومحمد بن سلام، قالوا: قال أيوب بن سيار، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الحسن المخزومي عن عبد العزيز بن عمران عن أيوب بن سيار عن عمر الركاء قال: بينا ابن عباس في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين أو ممصرين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا فأنشده: 
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر 
حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: الله يابن عباس إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترف من مترفي قريش فينشدك: 
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيخزى وأما بالعشى فـيخـسـر 
فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟. فقال: قال: 
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشى فيخـصـر 
فقال: ماأراك إلا وقد حفظت البيت قال: أجل وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إياها. قال فإني أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. وفي غير رواية عمر بن شبة: أن ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها، ثم أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، وما سمعها قط إلا تلك المرة صفحا. قال: وهذا غاية الذكاء. فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قط. فقال: لكني ما رأيت قط أذكى من علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان ابن عباس يقول: ما سمعت شيئا قط إلا رويته، وإني لأسمع صوت النائحة فأسد أذني كراهة أن أحفظ ما تقول. قال: ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة: أمن آل نعم... فقال: إنا نستجيدها. 
وقال الزبير في خبره عن عمه: فكان ابن عباس بعد ذلك كثيرا ما يقول: هل أحدث هذا المغيري شيئا بعدنا? قال: وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: كان عبد الله بن الزبير إذا سمع قول عمر بن أبي ربيعة: 
فيضحى وأما بالعشي فيحضر قال: لا، بل: 
فيخزى وأما بالعشي فيخسر قال عمر بن شبة وأبو هفان والزبير في حديثهم: ثم أقبل على ابن أبي ربيعة فقال: أنشد، فأنشده: 
تشط غدا دار جيراننا وسكت، فقال ابن عباس: 
وللدار بعد غد أبعد فقال له عمر: كذلك قلت - أصلحك الله – أفسمعته؟ قال: لا، ولكن كذلك ينبغي. 


شعره وخلقه وشهادة الشعراء فيه 


أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن إسحاق قال: كانت العرب تقر لقريش بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت لها الشعراء بالشعر أيضا ولم تنازعها شيئا. 
قال الزبير: وسمعت عمي مصعبا يحدث عن جدي أنه قال مثل هذا القول. قال: وحدثني عدة من أهل العلم أن النصيب قال: لعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال. 
قال المدائني قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن أبي ربيعة: ما يمنعك من مدحنا؟. قال: إني لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء. قال: وكان ابن جريج يقول: ما دخل على العواتق في حجالهن شيء أضر عليهن من شعر عمر بن أبي ربيعة. 

قال الزبير وحدثني عمي عن جدي - وذكره أيضا إسحاق فيما رويناه عن أبي هفان عنه عن المدائني - قال قال هشام بن عروة: لا ترووا فتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطا، وأنشد: 
لقد أرسلت جـاريتـي وقلت لها خذي حذرك 
وقولي في مـلاطـفة لزينب: نولي عمرك 
أخبرنا علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن الزبيري قال حدثني أبي عن سمرة الدوماني من حمير قال: إني لأطوف بالبيت فإذا أنا بشيخ في الطواف، فقيل لي: هذا عمر بن أبي ربيعة. فقبضت على يده وقلت له: يابن أبي ربيعة. فقال: ما تشاء؟ قلت: أكل ما قتله في شعرك فعلته؟ قال: إليك عني. قلت: أسألك بالله قال: نعم وأستغفر الله. 
قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن حماد الراوية: أنه سئل عن شعر عمر بن أبي ربيعة فقال: ذاك الفستق المقشر. 
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه قال: سمع الفرزدق شيئا من نسيب عمر فقال: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار، ووقع هذا عليه. قال: وكان بالكوفة رجل من الفقهاء تجتمع إليه الناس فيتذاكرون العلم، فذكر يوما شعر عمر بن أبي ربيعة فهجنه. فقالوا له: بمن ترضى؟ ومر بهم حماد الراوية فقال: قد رضيت بهذا. فقالوا له: ما تقول فيمن يزعم أن عمر بن أبي ربيعة لم يحسن شيئا؟ فقال: أين هذا؟ اذهبوا بنا إليه. قالوا: نصنع به ماذا؟ قال: ننزو على أمه لعلها تأتي بمن هو أمثل من عمر. 
قال إسحاق: وقال أبو المقوم الأنصاري: ما عصي الله بشيء كما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة. 
قال إسحاق: وحدثني قيس بن داود قال حدثني أبي قال: سمعت عمر بن أبي ربيعة يقول: لقد كنت وأنا شاب أعشق ولا أعشق، فاليوم صرت إلى مداراة الحسان إلى الممات. ولقد لقيتني فتاتان مرة فقالت لي إحداهما: أدن مني يابن أبي ربيعة أسر إليك شيئا. فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضني، فما شعرت بعض هذه من لذة سرار هذه. 
قال إسحاق: وذكر عبد الصمد بن المفضل الرقاشي عن محمد بن فلان الزهري - سقط اسمه - عن إسحاق عن عبد الله بن مسلمة بن أسلم قال: لقيت جريرا فقلت له: يا أبا حزرة، إن شعرك رفع إلى المدينة وأنا أحب أن تسمعني منه شيئا. فقال: إنكم يا أهل المدينة يعجبكم النسيب، وإن أنسب الناس المخزومي. يعني ابن أبي ربيعة. 
قال إسحاق: وذكر محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه عن خاله عبد العزيز بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، قال: أشرف عمر بن أبي ربيعة على أبي قبيس، وبنو أخيه معه وهم محرمون، فقال لبعضهم: خذ بيدي فأخذ بيده، وقال: ورب هذه البنية ما قلت لامرأة قط شيئا لم تقله لي، وما كشفت ثوبا عن حرام قط. قال: ولما مرض عمر مرضه الذي مات فيه جزع أخوه الحارث جزعا شديدا. فقال له عمر: أحسبك إنما تجزع لما تظنه بي، والله ما أعلم أني ركبت فاحشة قط فقال: ما كنت أشفق عليك إلا من ذلك، وقد سليت عني. 
قال إسحاق: حدثني مصعب الزبيري قال قال مصعب بن عروة بن الزبير: خرجت أنا وأخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجين، فلما طفنا بالبيت مضينا إلى الحجر نصلي فيه، فإذا شيخ قد فرج بيني وبين أخي فأوسعنا له. فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: من أنتما? فأخبرناه. فرحب بنا وقال: يا ابني أخي، إني موكل بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه، ثم قام، فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة. 
أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك قال: عاش عمر بن أبي ربيعة ثمانين سنة، فتك منها أربعين سنة، ونسك أربعين سنة. 
قال الزبير وحدثني إبراهيم عن حمزة ومحمد بن ثابت عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: حججت مع أبي وأنا غلام وعلي جمة. فلما قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة، فسلمت عليه وجلست معه، فجعل يمد الخصلة من شعري ثم يرسلها فترجع على ما كانت عليه، ويقول: واشباباه. حتى فعل ذلك مرارا. ثم قال لي: يابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت لي وقلت لها، وكل مملوك لي حر إن كنت كشفت عن فرج حرام قط فقمت وأنا متشكك في يمينه، فسألت عن رقيقه فقيل لي: أما في الحوك فله سبعون عبدا سوى غيرهم. 
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: مررت بجدك عبد الله بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه ومعي دفتر، فقال: ما هذا معك؟ ودعاني. فجئته وقلت: شعر عمر بن أبي ربيعة. فقال: ويحك تدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة إن لشعره لموقعا من القلوب ومدخلا لطيفا، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به. قالت: ففعلت. 
قال إسحاق : وأخبرني الهيثم بن عدي قال: قدمت امرأة مكة وكانت من أجمل النساء. فبينا عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عني يا هذا، فإنك في حرم الله وفي أيام عظيمة الحرمة. فألح عليها يكلمها، حتى خافت أن يشهرها. فلما كان في الليلة الأخرى قالت لأخيها: أخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فإني لست أعرفها، فأقبلت وهو معها. فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثلت المرأة بقول النابغة: 
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الحامـي 
قال إسحاق: فحدثني السندي مولى أمير المؤمنين أن المنصور قال -وقد حدث بهذا الخبر-: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلا سمعت بهذا الحديث. 
قال إسحاق: قال لي الأصمعي: عمر حجة في العربية، ولم يؤخذ عليه إلا قوله: 
ثم قالوا تحبها قلـت بـهـرا عدد الرمل والحصى والتراب 
وله في ذلك مخرج، إذ قد أتى به على سبيل الإخبار. قال: ومن الناس من يزعم أنه إنما قال: 
قيل لي هل تحبها قلت بهرا نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأشعار التي قالها عمر بن أبي ربيعة وغنى فيها المغنون إذ كانت لم تنسب هناك لطول شرحها شعر عمر الذي غنى فيه المغنون منها ما يغنى فيه من قوله: 
أمن آل نعم أنت غاد فـمـبـكـر غداة غـد أم رائح فـمـهـجـر
لحاجة نفس لم تقل في جـوابـهـا فتبلغ عذرا والـمـقـالة تـعـذر
أشارت بمدراها وقالت لأخـتـهـا أهذا المغيري الذي كـان يذكـر؟
فقالت: نعم لا شـك غـير لـونـه سر الليل يطوي نصه والتهـجـر
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخـصـر
أخا سفر جواب أرض تـقـاذفـت به فلوات فهو أشـعـث أغـبـر
وليلة ذي دوران جشمتني السـرى وقد يجشم الهول المحب المغـرر
فقلت: أباديهم فـإمـا أفـوتـهـم وإما ينال السـيف ثـأرا فـيثـأر 

هذه الأبيات جمعت على غير توال؛ لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعة. غنى في الأول والثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن أحمد بن المكي وذكر حبش أن فيهما لمعبد لحنا من الثقيل الأول بالبنصر. 
وغنى ابن سريج في الثالث والرابع أيضا خفيف ثقيل بالوسطى، وذكر حبش أن فيهما لحنا من الهزج بالوسطى لحكم. وغنى ابن سريج في الخامس والسادس لحنا من الرمل بالوسطى عن عمرو بن بانه. وذكر يونس أن في السابع والثامن لابن سريج لحنا ولم يذكر طريقته، وذكر حبش أن فيهما لمالك لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر. 
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب عن هشام بن الكلبي: أن عمر بن أبي ربيعة أتى عبد الله بن عباس وهو في المسجد الحرام فقال: متعني الله بك إن نفسي قد تاقت إلى قول الشعر ونازعتني إليه، وقد قلت منه شيئا أحببت أن تسمعه وتستره علي. فقال: أنشدني، فأنشده: 
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر فقال له: أنت شاعر يا ابن أخي، فقل ما شئت. قال: وأنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري وهو راكب، فوقف ومازال شانقا ناقته حتى كتبت له. 
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني الحسين بن إسماعيل قال حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد قوله: 
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فينحـصـر
قليلا على ظهر المطية ظـلـه سوى ما نفى عنه الرداء المحبر
وأعجبها من عيشها ظل غـرفة وريان ملتف الحدائق أخضـر
ووال كفاها كل شيء يهمـهـا فليست لشيء آخر الليل تسهـر
 
فقال جرير: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر. 
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد الله اليمامي قال حدثني الأصمعي قال: قال لي الرشيد: أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوحه السفر، فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة: 
رأت رجلا إذا ما الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فينحـصـر
أخا سفر جواب أرض تقـاذفـت به فلوات فهو أشـعـث أغـبـر
... الأبيات كلها. 
قال: فقال لي الرشيد: أنا والله ذلك الرجل. قال: وهذا بعقب قدومه من بلاد الروم. 
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي: قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني شعيب بن صخر قال: كان بين عائشة بنت طلحة وبين زوجها عمر بن عبيد الله بن معمر كلام، فسهرت ليلة فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث يقول: 
ووال كفاها كل شيء يهمهـا فليست لشيء آخر الليل تسهر
أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن المدائني قال: عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرة، فمر به رجل من أهل الشأم معه ترس خلق سمج، فنظر إليه يزيد وضحك وقال له: ويحك ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك. يريد قول عمر: 
فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: سمع أبو الحارث جميز مغنية تغني: أشارت بمدراها وقالت لأختهـا أهذا المغيري الذي كان يذكر؟
فقال جميز: امرأته طالق إن كانت أشارت إليه بمدراها إلا لتفقأ بها عينه، هلا أشارت إليه بنقانق مطرف بالخردل، أو سنبوسجة مغموسة في الخل، أو لوزينجة شرقة بالدهن فإن ذلك أنفع له، وأطيب لنفسه، وأدل على مودة صاحبته. 
أخبرني الحرمي قال: حدثنا الزبير قال حدثني عبد العزيز بن أبي أويس عن عطاف بن خالد الوابصي عن عبد الرحمن بن حرملة قال: أنشد سعيد بن المسيب قول عمر بن أبي ربيعة: 
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه وروح رعيان ونوم سـمـر 
فقال: ما له قاتله الله لقد صغر ما عظم الله يقول الله عز وجل: والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم . 

تعليق
 

من كتاب الفتوحات المكية لابن عربي



وصل في فصل العلم اللدنيّ والمكتسب 


العلم علمان موهوب ومكتسب فالعلم الموهوب لا ميزان له والعلم المكتسب هو ما حصل عن التقوى والعمل الصالح وتدخله الموازنة والتعيين فإن كل تقوى وعمل مخصوص له علم خاص لا يكون الإله فثم من يتقي الله لله ومن يتقي الله للنار ومن يتقي الله للشيطان ومن يتقي الله لمن لا يتقي الله وكل تقوى لها عمل خاص وعلم خاص يحصل لمن له هذه التقوى فإنفاق الرجل على نفسه الذي له به صدقة هو ما يغذيها به من هذه العلوم المكتسبة التي بها حياته الأبدية في الدنيا والآخرة وذلك أن كل معروف صدقة وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ولا معروف إلا الله فلا أهل إلا أهل الله فالناصح نفسه من وقي عرضه فإنه من صدقاته على نفسه ووقاية العرض أن لا يجري عليه من جانب الحق لسان ذمّ لا غير فيكون محموداً بلسان الشرع وبكل لسان إلهيّ من ملك وحيوان ونبات ومعدن وفلك وكل ما عدا الثقلين وبعض الثقلين وهل يتصوّر أن يقي عرضه من جميع الثقلين هذا لا يتصوّر لأن الأصل الذي هو الله لم يق عرضه من ألسنة خلقه إلا أنه يمكن أن يرتفع عن العرض وإذا أمكن فقد وقي نفسه الذي هو عرضه أن يكون له أثر في نفسه لا إنه وقي عرضه أن يقال فيه وهو معنى قوله " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه فإن أنفق ليبتني مجداً في ألسنة الخلق فهو لما أنفق فإن ابتنى إعادة الثناء على الله من حيث أنه آل الله فإن أنفق في هذا الشأن ولا يرى أنه المنفق وأنفق في معصية إبليس ولا يرى العصمة والإنفاق إلا من يد الله فمثل هذا يستثنى في كل إنفاق إذا كان هذا حاله وذوقه فلا يجد الثواب على من يعود إلى على معطيه فيد الله منفقة ويد الرحمن آخذة منها
فيد الله منفقة ... ويد الرحمن آخذة
فالتي للجود خالية ... والتي للعبد عاطلة
فصلت آياته عجبا ... وهي للأعيان الواصلة
لو تراها في تقلبها ... وهي في الأكوان جائلة
قلت أغراضي تصرّفها ... وهي بالبرهان ساكنة
ويؤيد ما ذكرناه ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وقي به رجل عرضه فهو صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية ذكر هذا الحديث أبو أحمد من حديث جابر قال عبد الحميد وهو الذي روى عنه أبو أحمد قلت لابن المنكدر ما وقي به الرجل عرضه يعني ما معناه قال يعطي الشاعر وذا اللسان.
وصل في فصل بين العبودية والحرّية
إضافة الإنسان بالعبودية إلى ربه أو إلى العبودية أفضل من إضافته بالحرّية إلى الغير بأن يقال حرّ عن رق الأغيار فإن الحرّية عن الله ما تصح فإذا كان الإنسان في مقام الحرّية لم يكن مشهوده إلا أعيان الأغيار لأن بشهودهم تثبت الحرّية عنهم وهو في هذه الحال غائب عن عبوديته وعبودته معاً فمقام العبودية أشرف من مقام الحرّية في حق الإنسان والعبودة أشرف من العبودية وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا في حديث ميمونة بنت الحارث لما أعتقت وليدة لها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجرك فمقام العبودية رجح على ثواب الحرّية كما رجح الفقر إلى الله على الغنى بالله بعض أشياخنا حدثني عبد الله القلفاط بجزيرة طريف سنة تسعين وخمسمائة وقد جرى بيننا الكلام على المفاضلة بين الغنيّ والفقير أعني الغنيّ الشاكر والفقير الصابر وهي مسئلة طبوليه وانجرّ في ذلك حال الفقر والغنىّ فقال لي حضرت عند بعض المشايخ أو حكاها لي عن أبي الربيع الكفيف المالقيّ تلميذ أبي العباس بن العريف الصنهاجيّ قال وأنّ رجلين كان عند كل واحد منهما عشرة دنانير فتصدق أحدهما من العشرة بدينار واحد وتصدق الآخر بتسعة دنانير من العشرة التي عنده أيهما أفضل فقال الحاضرون الذي تصدق بالتسعة فقال بماذا فضلتموه فقالوا له لأنه تصدق بأكثر مما تصدق به صاحبه فقال حسن ولكن ننصكم روح المسئلة وغاب عنكم قيل له وما هو قال فرضناهما على التساوي في المال فالذي تصدق بالأكثر كان دخوله إلى الفقر أكثر من صاحبه ففضل بسبقه إلى جانب الفقر وهذا لا ينكره من يعرف المقامات والأحوال فإن القوم ما وقفوا مع الأجور وإنما وقفوا مع الحقائق والأحوال وما يعطيه الكشف وبهذا فضلوا على علماء الرسوم ولو تصدق بالكل وبقي على أصله لا شيء له كان أعلى فنقصه من الدرجة والذوق على قدر ما تمسك به ألا ترى ما قاله شيخنا أبو العباس السبتي رحمه الله في المحتضر يوصي بالثلث فإن المحتضر ما يملك من المال إلا الثلث فخرج عما يملك وما أبقى شيأ وأجاز له الشارع أن يتصدق بالثلث كله الذي يملكه وهو محمود في ذلك شرعاً فلقي الله فقيراً على حكم الأصل كما خرج من عنده رجع إليه صفر اليدين قال بعضهم في هذا المعنى:
إذا ولد المولود يقبض كفه ... دليل على الحرص المركب في الحيّ
ويبسطها عند الممات مواعظاً ... ألا فانظرني قد خرجت بلا شيّ
فكان أفضل ممن لم يتصدق بذلك الثلث الذي يملكه أو تصدق بأقل من الثلث وينوي بما يبقيه أنه صدقة على ورثته وفيه إشارة عجيبة.