بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 5 يناير 2015

الفيلسوف ..وفن الموسيقى

الموسيقى ..وآهٍ من الموسيقى !

منذ سنوات بعيدة ..فى أواخر سبعينيات القرن الماضى،وكنت ُ قد تعلمتُ العزف على البيانو،وأعزف بعض السوناتات لكبار الموسيقيين العالميين.

تعلمت العزف على يد أحد المدربين فى قصر الثقافة بطنطا،فآلة البيانو من الآلات الضخمة ،قلّ أن توجد فى بيوتات الأسر المصرية ،بعد تفشى آلات العزف الوترية وآلات النفخ والترمبيط.
بل بعد سيادة الهشك بشك والميوعةالمرذولة والغناء السفيه والكلمات السقيمة والأصوات الجشة ،لم تعد حتى موجودة بالمدارس .
وبانتشار التزمت الممقوت والضيق الفكرى ..أصبحت الموسيقى الرفيعة ..فى خبركان
.

قرأتُ الكثير الكثير..عن الموسيقى وأصبحت مكتبتى تضم كتابات عن أعلام الموسيقى العالميين ،العملاق بيتهوفن ،والنابغة موتسارت،وشوبان وشومان وخاتشادوريان ورحمانينوف وموسورسكى ومندلسون وشوبرت وهندل وتشايكوفسكى و...و..
وأذكر من ضمن هذه الكتب ،دراسة قيمة"الفيلسوف وفن الموسيقى" تأليف :جوليوس بورتنوى ،ترجمة د.فؤاد زكريا ،ومراجعة د.حسين فوزى.

أيام جميلة عشتها ،وأحداث نابضة بالحياة ..أذكرها ،بعدما تخشبت الأصابع وتفرقت بنا السبل ،وغشينا ما يغشى النهار من ظلام دامس .

سأحاول ..التواصل مع الموسيقى ..عسانى أعيش لحظات الهدوءالوجدانى ،بدلاً من الرعب الذى نعيش فيه


كنتُ عندما أضع أصابعى فوق أصابع البيانو ،أشعر بأن جسدى قد صارمتجاوباً مع حركة أصابعى ،وأحس بروحى سابحة ،وتبدأ النغمات تتصاعد ليس فقط بتوقيعى على أصابع البيانو ،بل بروحى وتعلو ثم تهبط وترق ثم تشتد ..وهكذا أرى عالماً تسبح فيه روحى عبر المدارات .كنت أؤيد ما قاله فيثاغورس "أن الموسيقى البشرية ما هى إلا أنموذج أرضى للإنسجام العلوى للأفلاك" وحتى هذه اللحظة أستمع إلى االسيمفونية التاسعة (الكورالية )لبتهوفن ،وأجدنى محلقاً فى سماوات لانهاية لها.

وعندما بحثتُ فى أوراقى المتناثرة ،والتى كتبتُ فيها بعض آرائى وملاحظاتى ،وجدت فى كراسٍ متهالك صفحاته ،مطموس بعض حروفه،بعض سطور رسالة كتبتها بيتنا فون آرنم إلى الشاعر الأكبر جوته إثر لقائها مع العظيم بيتهوفن"إننى أتحسر كلما فتحت عينى ،لأن كل ما أراه من الناس يخالف عقيدتى الدينية ،وأكاد أحتقر العالم الذى لايعرف بأن الموسيقى إلهام أرفع من الفلسفة ..وأنا عارف بالله ،أقرب إليه من الفنانين الآخرين،عرفته وأدركته فأطمأنت نفسى إلى أن موسيقاى لن يصيبها ضر أبداً،وكل من يفهمونها يرتفعون عن الدنايا التى يعمه فيها البشر ..الموسيقى وسط بين الإحساس والفكر..حدثى جوته عنى ،قولى له أن يسمع سمفونياتى وسيؤمن حينئذ على قولى بأن الموسيقى هى المدخل الروحى إلى نطاق المعرفة العليا،تلك التى تفهم الإنسانية والإنسانية لاتفهمها.."
يُحكى أنه ..عندما حضرت الوفاة فردريك شوبان ،وجه كلامه إلى صديقيه :العازف فرانشوم والأميرة البولندية تسارتوريسكا ،وكانت من خيرة تلاميذه ومنفذة وصيته قال: اعزفوا دائماً الموسيقى الرفيعة ،وسأسمعكم من هناك"
سأحاول الكتابة عن تجربة غلفها النسيان بأستاره ،وأواصل عرض كتاب "الفيلسوف وفن الموسيقى"

(1)

يفتتح المؤلف فى مقدمته "بأن كتابات الفلاسفة ،كان لها تأثيراً كبيراً فى التطور التاريخى للموسيقى فى الحضارة الغربية.

ثم يستطرد بأن الفلاسفة وإن كانوا فى عمومهم نظريين ليس لديهم من الخبرة الفنية ما يتيح لهم تقويم التركيب الفعلى للموسيقى ،إلا أن لهم آراء كثيرة فى الموسيقى وفى تأثير الفن الموسيقى فى سلوك الإنسان،ويشهد الواقع الثقافى والإجتماعى والدينى فى المجتمعات الغربية ،بأن نظرياتهم قد أثرت بوضوح فى مجرى الموسيقى فى الحضارة الغربية.


ويؤكد على أن الفيلسوف القديم لم يكن ينظر إلى الموسيقى على أنها مجرد تعبير عن المشاعر بل كان ينظر إليها على أن لها مصدر علوى معين يعلو على أفهام البشر ،بل كان يؤمن على أن الألحان تحوى معان أخلاقية وإلى دلالات أخلاقية فى الإيقاعات،ولما لاحظ تأثير الموسيقى فى البشر وسلوك الإنسان ،قرر بأن الموسيقى قد تهذب الطبع الإنسانى أو تزيده إنحطاطاً
.
علقت فى حجرتى على الجدار المواجه لمدخلها ،صورة كبيرة لبيتهوفن ، مما استرعى انتباه الداخلين ،وكم تشملنى السعادة وأنا أمسك بزمام الحديث متحدثاً عن بيتهوفن أو كما حفظت اسمه"لود فيج فان بيتهوفن" وعن سيمفونياته التسع وخاصةً القدرية والبطولية والكورالية .
أظن أن من كان يسمعنى ، لايعى شيئاً مما أقوله فى غمرة حماسى وشبابى الغض.بل ربما تحسر على عقلى الذى وفى أول الشباب، قد مسه خبل!!


كنت أكتب تحت صورته.. ماقاله شومان"خذوا مائة سنديانة ،عمر كل منها مائة عام،واكتبوا بها اسمه حروفاً باسقة منتشرة بين السهول و انحتوا شبيهاً له فى جرم هائل كتمثال القديس شارل بوروميو على ضفاف بحيرة ماجيورى،حتى يطل من علاه ..مثلما كان موقفه فى الحياة ، وعندما تمر السفن بنهر الراين ،ويسأل السياح عن صاحب التمثال الضخم يجيبهم الصبية :إنه بيتهوفن ..فيظن السياح أنه اسم إمبراطور جرمانى عظيم"

فى ذكرى رجل عظيم


الإحساس بالكبرياء والشموخ الإنسانى ،هبة ربانية تولد مع الإنسان ويحيا بها ولايخنع أبداً ولايحنى الرأس إلا لخالقه .
عصر الأرستقراطية الأروبية المسيطر والمهيمن والطاغى ،حضارة وليدة وبلدان تتحرر من قهر هذه الأرستقراطيات التى امتصت دماء الشعوب.
ثورة أبناء فرنسا وتحطيم الباستيل ،رمز العبودية والإستغلال ..ثورة تركت آثارها على بلدان المعمورة ،الحرية المساواة الإخاء ..شعارات ترفرف عالية وتحر الإنسان من ربقة الذل والإستعباد.وتنادى بحقوق الإنسان.
ويبتهج العبقرى بيتهوفن ويشجع هذه الثورة ،فقد كان بيتهوفن أشد سخطاً على الأستقراطيات المترهلة والمستغلة ، ويؤيد حركات التحرير وينادى بشموخ الإنسان ورقيه .
كانت حياة بيتهوفن صورة رائعة وخالدة من صور الثورة على الذل والإستعباد والإستبداد .
حركت ثورة فرنسا الإلهام الموسيقى لدى بيتهوفن ،فألف سيمفونيته الثالثة البطولية تأييداً لنابليون بونابرت فى قيادته لهذه الثورة ،ومشجعاً حركة التحرير من سلطان الذل والعبودية،كان أكثر الناس سعادة ،وأكثرهم تشجيعا.
ثم يأتيه الخبر بأن قنصل الجمهورية الفرنسية الوليدة نابليون بونابرت قد أعلن نفسه إمبراطوراً .

وهنا وكما يروى التاريخ على لسان تلميذه فرديناند ريس أنه جاء فى يوم من أيام سنة 1804م يُخبر بيتهوفن بأن نابيلون قد حول الجمهورية الفرنسية إلى إمبراطورية وعين نفسه إمبراطوراً على الفرنسيين.
وهنا يثور بيتهوفن ثورة عارمة وكانت مدونة السيمفونية االثالثة أمامه على المكتب،ويصرخ بيتهوفن :إذن ..هذا واحد من آحاد الناس، جاء ليدوس على حقوق الإنسان ويتمادى فى تحقيق أطماعه الشخصية ،ويتعالى على البشر،ويمعن فى العتو والطغيان. واتجه نحو مكتبه وأمسك بصفحة عنوان السيمفونية من أعلاها وقد كتب عليها اسم بونابرت،ويمزقهاويرميها أرضاً،ثم قام بكتابة عنوان جديد :سيمفونية البطولة - فى ذكرى رجل عظيم.

ضياء القمر


من سوناتات بيتهوفن الشهيرة ..ومامن عازف مبتدىء ،إلا ويشمر عن ساعديه ويعزفها .
وقد ذهبت العقول فيها كل مذهب، فلم يستقر عقل على تفسير هذه السوناتة .

ويُحكى أن بيتهوفن كان يتمشى ليلا فى طرقات فيينا والقمر بدر ،فشاهد غلاما كفيفا يعتمد على ذراع أخته ،ويشكو لها أنه تعيس جدا لأنه لايستطيع رؤية عظيم عظماء الموسيقى بفيينا . فيتقدم بيتهوفن إليهما ويصاحبهما إلى منزله .ويجلس أمام البيانو ويرتجل سوناتة ضياء القمر، مستوحياً ضوء القمر المتساقط من النافذة ،وجمال عيون الشقيقة واختفاء الضياء من عيون الغلام .وبعد أن تم عزفها ،قام بيتهوفن بالإفصاح لهما عن شخصيته .لكن رواية أخرى تقول ،أن تأليف السوناتة ،كان تحت تأثيرأزمة نفسية ، لغرامياته الفاشلة واليائسة مع بعض سيدات المجتمع كالكونتيسة جوليتا جويتسارى أو الكونتيسة تريزا فون برونشفيك .
أما الرواية القاطعة ،تؤكد أن سوناتة ضوء القمر وهى وكما سماها بيتهوفن "sonata quasi una fantasia "سوناتة كوازى أونا فنتازيا ،هى إحدى إبداعات بيتهوفن الموسيقية والتى تعبر عن حزن دفين و شجن فاتك ويأس عميق.بل أزعم أنها إحدى ثورات الإحباط التى تعترى الإنسان حين يرى نفسه وقد صار اسمه فى عنان السماء ثم لايجد تقديراً ورفعةً.

وأذكر واقعة شهيرة له ،أنه وجوته كان يتمشيان فى حدائق فيمار ثم فجأة وجدا أمامهما ،على البعد ،بعضاً من أبناء الأسرة المالكة يتجولون بالحدائق ،فما كان من جوته إلا وانتحى جانباً ،حانيا الرأس ،حتى تمر الأسرة المالكة.
إلا أن بيتهوفن لم يصنع صنيع جوته ومضى فى طرقه غير مبالٍ بأحد من الأسرة المالكة ،رافعاً رأسه فى شموخ ،يسير فى كبرياء،الأمر الذى حدا بأمير الأسرة المالكة ،أن هز رأسه فى إنحناءة ملحوظة ، وقال بصوت مسموع
 :حقاً علينا أن نحنى الرأس لبيتهوفن.

قلبى ..ونشيد الفرح


من قراءاتى المتعددة ،كانت الفتنة قد أصابتنى بداء تتبع ما كتب عن بتهوفن ،فبتهوفن يُمثل عندى.. الحرية والنغم .
كم تمتعت بسماع معظم موسيقاه ،فحرصى على سمعها ،جعلنى أسابق نفسى فى الحصول على موسيقاه مهما غلا ثمنها.
كانت سيمفونيته العملاقة وأقول العملاقة السيمفونية التاسعة والمشهورة بالكورالية .
سيمفونية من أعمق وأعظم ما كتبه بيتهوفن ،تتكون من أربع حركات مغايرة لأوضاع تكوين السيمفونية التى تتكون من ثلاث حركات فقط.
فالحركة الأخيرة تتلحم الأصوات البشرية مع االموسيقى فى نسيج نغمى غير مسبوق ،هذه الإبتهالات التى تنشد الفرح والخير لكل البشر .
كان بيتهوفن يصارع قدره ومرضه اللعين الذى أصابه بالصمم ،و يعلو فوق آلامه وأحزانه .
ما أقسى أن تصنع خلوداً ثم تُحرم من سماعه.
ما أقسى أن يرى بيتهوفن موسيقاه تُعزف ويصرخ الناس من الفرح والبهجة ولايرى إلا الأكف تُصفق.
كان نشيد الفرح قصيدة فردريك شيللر الألمانى النابغة التى رحل فى أوج مجده وريعان شبابه.
ويأخذ بيتهوفن نشيد الفرح ،ختاماً لسيمفونيته الخالدة ، ويكون نداءً جميلاً واستنهاضاً للبشر فى كل مكان ..أن أحبوا بعضكم واسجدوا لفاطر السماوات خلقكم فسواكم .

ما مرة أسمع هذه السيمفونية وأصل إلى الحركة الرابعة ..ويبدأ الغناء إلا وأهتز فرحاً ويتملكنى شعور القوة ويستنهضنى اللحن مع الكلمات، ألا أركن لمتاعب قلبى الجريح ،هذا الذى أتعبنى معه وأتعبته معى .
هذا الذى لم يسلم من المرض ومشارط الجراحين التى طالته وعبثت به.


وأقدم مقطعاً من نشيد الفرح:
إيه أيتها الفرحة.
يا سليلة إليزيوم .
منك كان النور المقدس .
وبنارك القدسية تطهرنا .
وإلى محرابك مسعانا .
بك اجتمع البشر على إخاء .
بعد أن فرقتهم الأهواء .
التى ورثوها شرورا عن الآباء .
وغدا الناس إخوانا .
يظلهم جناحاك الوديعان .
للملايين من البشر تتسع صدورنا .
وإليكم _إخواننا _فى العالم كله .
نهدى قبلاتنا .
إن وراء قبة النجوم .
أبا يحمل الحب لنا جميعا .
ألا فليشاركنا فرحتنا .
من أصفى للناس كلهم قلبه .

أصل كلمة الموسيقى


(2)

يواصل المؤلف :بأن أصل كلمة الموسيقى.. ترجع إلى اليونانية ،وكان ينظر إليها فى الأصل ،بطريقة أسطورية،على أنها فن أوحت به مباشرة ربة الفن"muse".

إذ يُذكر أن لليونانيين ثلاث ربات :ربة العلم وربة الذاكرة وربة الغناء.
ويروى عن أسطورة أورفيوس خادم أبوللوالذى كان مطرباً ساحراً ومنشداً للشعر ،كان ذاته ابنا لإحدى الربات.وأن صوته له خصائص سحرية تشفى المرضى وتبعث التقوى فى النفوس عند أدائها الطقوس الدينية.

ويؤكد أرستوفان أن موزياوس "museaus " تلميذ أروفيوس بأنه "طبيب النفوس "،ويُنسب لأرسطو أنه قال"الموسيقى أعذب مايتمتع به جنس البشر"


هللوا ..أيها الأصدقاء


استمع ريتشارد فاجنر إلى سيمفونية بيتهوفن التاسعة والشهيرة بالكورالية ،هذا العمل الفذ .لم يجد فاجنر.. أمام عظمة هذا العمل إلا أن يكتب شهادة تاريخية"إننا ننظر إلى هذا العمل كعلامة تاريخية تحدد عهداً جديداً فى هذا الفن العالمى ...فمن خلاله عاش العالم ظاهرة نادرة ..قلما يجود التاريخ بمثلها ..فى أى زمان أو مكان"أما سنتيانا فيقرر مؤكداً"إن الله قد خلق بيتهوفن حتى يكتب السيمفونية التاسعة "
وتأتى النهاية بأسرع مايمكن ويرقد بيتهوفن على فراش الموت ،ويلتف حواليه أصدقاؤه ومحبوه وأخوه يوهان،فبيتهوفن حتى الرمق الأخير ،كان يقرأ وبجواره بعض مؤلفات أوفيد تناسخ الكائنات ..وتشرق الإبتسامة على وجهه ،فقد وصلت له تواً من أحد أصدقائه الإنجليز .. دراسة عن الموسيقى الأشهر هيندل ..

وفى الثالث والعشرين من مارس 1827م ...يلوح فى الأفق طائر الموت..وأصبحت النهاية قريبة قريبة ..

وتأتى اللحظة الأخيرة ..ويصبح ملاك الموت وجهاً لوجه مع بيتهوفن ،فيقول :
هللوا أيها الأصدقاء ..فقد انتهت المهزلة ..
ثم يفقد وعيه ..فلايفيق وفى 26مارس 1827م ،كانت العواصف صرصراً عاتية والرعد يعوى مرعداُوالبرق يلمع متتابعاً ..يرفع بيتهوفن رأسه،ويفتح عينيه...وهى آخر نظرة ودع بها الدنيا وما فيها ومن فيها ،ويغمض عينيه ..وتخرج الروح إلى بارئها..
وتفجع فيينا فى موسيقاها الأشهر وتودعه بكل تقدير واحترام وتكريم ..ويسير ،خلف نعشه ، الجموع يرددون نشيد الفرح..
ولم يجد الموسيقار فرانز شوبرت ، تعبيراً منه لهذا العملاق ،سوى حمل مشعل ، ضمن حملة المشاعل، للذى لم يلتق معه فى الحياة .وبعد عام يلحق به ويُدفن على مقربة منه.

الشعراء المنشدون



الفيلسوف وفن الموسيقى 
جوليوس بورتنوى


(3)

واستمر أرسطو يؤكد :أن الموسيقى يمكن استخدامها وسيلة تسرّى عن الإنسان العناء"

ويواصل المؤلف ..بأن هوميروس فى الأوديسية. قد قال :أن الشعراء المغنين هم أقرب البشر إلى قلوب الآلهة؛فقد وهبتهم الربة فن الغناء ،لا لكى يطربوا نفوس الناس فحسب ،وإنما لكى يسهروا على رعاية أخلاق البشر أيضاً،فهؤلاء الشعراء هم الرسل الذين يعيشون على الأرض وبنقلون الرغبات الإلهية إلى الإنسان ؛وبالموسيقى يستطيع الإنسان بدوره أن يبتهل إلى الآلهة لتخلصه من الوباء والمرض؛وقد وصف هوميروس، كما روى بلوتارك بعده بقرون عديدة ،كيف أوقف الأغريق نقمة أحد الأوبئة بقوة الموسيقى وسحرها الذى بدد غضب الآلهة :((بالأناشيد والأغانى المقدسة هدأت الآلهة راضية))

بل ظلت علاقة الشاعر المنشد بربة الغناء علاقة وثيقة ، بل يحكى هزيود الذى عاش فى القرن الثامن قبل الميلاد ..

بأن الربات قد ظهرن له بينما كان يطعم قطعان أبيه،وعهدن إليه بأن يكون رسولهن وشاعرهن ،وأعطينه عصا الشاعر لتكون آية على رسالته كمنشد.
وقبل أن يفارقنه قلن له: إننا نعرف كيف نقول كثيراً من الأكاذيب التى تقع من الآذان موقع الحقيقة ،ولكنا نعرف أيضاً كيف نصرح بالحقيقة عندما نشاء"

موسيقىٌ ..لايسمع!!!


قد لا أكون مبالغاً ..إذا رددتُ مايردده المؤرخون الموسيقيون ،أن لودفيج فان بيتهوفن (1770م-1827م) هو أعظم شخصية فى تاريخ الموسيقى .


لكن هذه الشخصية الإنعزالية ،قد تركت للعالم ،تراثاً موسيقياً رفيعاً،مازلنا ننهل منه ونستمتع به .
ما يغرينى بالحديث عن بيتهوفن ..أنه صار "الملطشة "لملحنى الأغاتى العربية ،أو من يُطلق عليهم اعتباطا "موسيقار".ولمجرد تلحين كلمات ..يُسمى الموسيقار فلان!!!

كان الموسيقار (محمد عبدالوهاب ) أول من قام "بلطش "الكثير من موسيقى بيتهوفن ،ونسبها لنفسه.وفى حينها ،أشار الدكتور /حسين فوزى،إلى هذه السرقات .
وتبعه الآخرون "الملحنون" فى هذ السبيل، بلاحياء أو خجل ،مادام هناك من يجهلون ،أفلا نأخذ من هنا وهناك ونصبح عباقرة!!أقصد مساقرة جمع موسيقار ..وهذه من عندياتى .

الإنطوائية والإنعزالية التى سيطرت على حياة وشخصية بيتهوفن ،أفلح علماء النفس فى بحثها وإلقاء الضوء عليها ،وانتهوا إلى أنه شخص غير إجتماعى ،وسيىء التكيف ،وربما كانت طفولته الأولى، قد فرضت عليه هذا المنحى الإنعزالى الإنطوائى ،بل أنه لم يمد حبل التعامل مع الناس ،قليل الكلام ،دائم الترقب ،دقيق الملاحظة ،فلم يعرالآخرين إهتماماً ،ولم يسلك فى الحياة ،مسلك البشر العاديين .
كان منفرداً بذاته ،متفرداً بشخصيته ،وساءت علاقته النسائية ،ربما لغلاظة تصرفاته وجلافة طباعه وحدة لسانه ،فباءت كل علاقته الغرامية بالفشل الذريع ، وعاش حياته وحيداً متعبداً فى صومعة إبداعه وفنه.
ولكننى أزعم أن عزلته هذه،كانت إعتزازاً بالإنسان الذى بداخله واحترامه لذاته وتقديراً لفنه. وربما الحادثة التى سبق أن رويتها فى حديث سابق تؤكد ذلك ،بل فى تعنيفه لجوته وعدم التوقف لحين مرور الأسرة المالكة ..بل يقال أنه عنف جوته تعنيفاً قاسياً.. وقال له :"لقد انتظرتك لأنى أمجدك وأحترمك على قدر ماتستحق.أما أنت فقد أضفيت على هؤلاء الآخرين من التكريم أكثر مما يستحقون."

ولم تكن إنعزاليته فى شبابه إلا جزءً استكملته الحياة بإصابته بالصمم فى وقت مبكر من نبوغه ،ففرضت عليه عزلة أشد وأقسى لرجل كل إبداعه فى أُذنه وعقله وأصابعه.وبلغت ذروة الصمم ..فى 1802م.
وأذكر سطوراً من كتاب "بيتهوفن" لريتشارد فاجنر "موسيقىٌ لا يسمع! أيستطيع أحد أن يتصور رساماً أعمى؟ لقد سمعنا عن أعمى انكشف عنه الحجاب ،هو ترزياس الذى أتاح له إنعزاله عن عالم الظواهر أن يرى،بعين الباطن ،أساس الخلق كله.
وما أشبهه فى ذلك بالموسيقى الأصم ،الذى لم يعد ضجيج الحياة يعكر صفوه،فأصبح لا يستمع إلا إلى الإنسجام الباطن فيه،ويتحدث من الأعماق وحدها إلى عالم لم يعد لديه ما يقوله له بلسانه.وهكذا تتحرر العبقرية من كل القيود الخارجة عنها..........
إنه بيتهوفن عالم يمشى بين الناس ،إنه وجه العالم وماهيته،ساعياً فى الأرض على صورة إنسان!"





قتل الأرانب..ترجمة :فاطمة ناعوت

كما قلتُ سابقاً،فإن المبدعة المتميزة /فاطمة ناعوت ..لم يتوقف إبداعها عند الشعر والكتابات النثرية العميقة الأغوار ،بل أبدعت فى الترجمة أيما إبداع .
وأثناء بحثى الدؤوب فى الأنترنت ،عثرتُ _وفى مايو 2007م _على موقع المهاجر وقرأت هذه القصة ..ونشرتها آنذاك فى أحد المواقع التى كنت أكتب فيها .
ولاقت اهتماما عظيماً .
فقد كانت الشاعرة الكبيرة /فاطمة ناعوت ..من أبرع من ترجم هذه القصة بل أصدقك القول أيها القارىء الكريم ..كانت الترجمة أكثر من رائعة .
أتقدم بهذه القصة ..فى ملتقى النقد الأدبى ..تقديراً وعرفاناً للشاعرة الكبيرة /فاطمة ناعوت ..ولى مع إبداعاتها المتنوعة.. وقفات .

قتــل الأرانــب*
جون ريفنسكروفت**
ترجمة : فاطمة ناعوت***


لم أتطلّعْ يومًا إلى قتل الأرنب.
لا تقلّلوا من شأن هذا الأمر – فقد كنتُ أرتعد من الفكرة. كنت أفزع منه مثلما يفزعُ القتلةُ من أنشوطة المشنقة، أو كما يفزع غواصو البحار العميقة من التواءات العضلات، أو مثلما يفزع المدرسون التعساء من صباحات يوم الاثنين (1).

- " لستَ مضطرًا على فعل ذلك ! " هكذا قالت زوجتي "ماري"، التي كان القلقُ يزيد وجهها رهافةً، وكان هذا لطيفا منها، غير أن كلينا كان يعلم أن تلك لم تكن الحقيقة.
الحقيقة كانت حتمية أن أفعل ذلك. إذا لم أفعل، إذن ما الذي كنا نمثله هنا تحديدًا ? إعادة عرض لكوميديا " الحياة الطيبة " (2) ؟

إذا لم أستطع أن أجبر نفسي على قتل أرنبٍ واحدٍ أعزل، فإن كل كلامنا حول أسلوب الاكتفاء الذاتي، ومحاولة الخروج من جنس الفئران، وإقامة حياة أكثر صحيّة، لن يغدو كل ذلك أكثر من كلام. مجرد كلام. وبوسعي الآن أن أسمع والدة "ماري"، بوسعي أن أرى حاجبيها المقوسيْن، وابتسامتها التي تقول: ألم أقل لك ?، وتهكمها الواثق :" أوه نعم، أنتَ دائما بارع في الكلام عن الأشياء، أليس كذلك يا جون...!".

حسنًا، لم تكن هي من يستحق هذه الترضية على أية حال ، لكن ماري وأنا كنا في طريق أكثر إيغالا من إمكانية التراجع، تجاوزنا منذ زمن نقطة اللا عودة. تركنا وظيفتينا، تركنا بيتنا، ثم انتقلنا نهائيا إلى منطقة ريفية من البلد – والآن، انظروا إلينا.

أعجوبة العجائب، كنا نفعل الشيء الذي ظللنا نحلم به طيلة العامين الماضيين. وها نحن أخيرًا، برغم كل العقبات، ندير أرضا صغيرة تخصنا.

الأسابيع القليلة الأولى من محاولة تحويل المكان إلى شكل مقبول كانت شاقة، لكن مُرضية تماما. لا شك، فقد كانت الأرض المحيطة بالكوخ الريفيّ وعرة، وثمة أعمال بناء ناقصة، لكن المحيط العام كان رائعًا. لدينا ثمانية هكتارات من تربة عفيّة خصبة، محاصيل تُزرع وتنمو، دجاجات تقرققُ، بطّات توقوق، إوزات تزمِّرُ، بضع خراف تمأمئ، وبطبيعة الحال كان لدينا أرانب، أرانب مشغولة بما تحب أن تفعله الأرانب عادة.

هل كان من الممكن أن أغامر بكل هذا، لمجرد أنني لا أستطيع أن أواجه ببسالة مذبحةً صغيرة - الشيء الذي هو ركن ركين من حياتنا الراهنة ?

كلا. إنه الوقت الحاسم. الوقت الحاسم بالنسبة لي، الوقت الحاسم بالنسبة للأرنبة.

كان اسمُها "تاج"، إحدى ثلاثة أرانب نيوزيلندية بيضاء. الذكر الضخم أطلقنا عليه اسم "بوبتيل"، أما الأنثى الأخرى فتُدعى "راج". كانت "راج" دائما حُبلى بحَملٍ ثقيل، ولو اتبعت "تاج" النهج نفسه لأصبح ثالوثنا الصغير في طريقه الصحيح المأمول نحو تزويدنا بحوالي 200 رطل من اللحم كل عام. هكذا تقول الكتب على كل حال.

لكن كان ثمة مشكلة. فرغم كل جهود "بوبتيل" (و كي أوفي الولد حقه لابد أن أقول إنه بذل قصارى جهده بالفعل)، إلا أن "تاج" رفضت ترمي كرتَها. أسبوع بعد أسبوع بعد أسبوع، و"بوبتيل" يؤدي واجبَه الرجوليّ بحماسٍ مذهل، غير أن "تاج" ظلّت على عقمها العنيد.

يقول خبراء الاكتفاء الذاتي : إذا كانت الأنثى غير منتجة، فإن مكانها الوحيد إناء الطهو ! وكانت "تاج"، تلك الأرنبة اللطيفة حلوة الطبيعة، من دون شك غير منتجة. حسنًا، لا مكان للعائشين على الصدقات في مزرعتي الصغيرة. "تاج" لابد أن ترحل.

- "إذا لم تصبح حُبلى على نهاية الأسبوع،" أخبرتُ ماري، " إذن سيكون. سنجلب أنثى أخرى، وسيكون عليّ أن .... ، أنتِ تعرفين."

وجاءت نهاية الأسبوع، وكل ما يمكنني قوله إن "تاج" ظلت عاقرًا كما هي دائما.

- " غدًا،" هكذا أعلنتُ بينما أتجه إلى زر الكهرباء لأطفئ المصباح جوار السرير. " سوف أفعلها غدا."

في الظلام كنت أسمع تنفس "ماري".

- " هل أنت واثق؟"
- " نعم، لقد حان الوقت."
لم أستطع النوم تلك الليلة. سقطتُ في النوم للحظات قليلة، فإذا بالذي سوف أفعله في الصباح يقفز في أحلامي على هيئة شبح أرنب مخبول يتلوى، طوله 15 قدم، يترنح في خطوته على طريقة مشاهد أفلام الرعب.
رقدت في الفراش، عيناي شاخصتان، أحملق في الظلام، أفكّر، أتذكّر.

أعود بالزمن إلى الوراء، حين كان قرار الانتقال إلى الريف مازال في طور المناقشة، كان أصدقاؤنا يستمتعون باستجوابنا حول طبيعة حياتنا الجديدة والنتائج التي سنتورط فيها بناءً على ذلك. اهتموا على نحو خاص بالجزء الخاص بعملية الذبح. بدا أن أحدا لا يعاني مشكلة كبيرة في التعامل مع الدجاج، أو الإوز أو الخراف، غير أن الكثير منهم روّعتهم فكرة أن نربّي، نقتل ثم نأكل الأرانب.

صديقانا الحميمان، "ستيف و بولين"، كانا يربيان زوجًا من الأرانب المنزلية الأليفة غزيرة الشعر ذات الحيوية التي تنطق بالجمال واللطف، اقتنى الصديقان هذين الأرنبين من أجل تسليّة أطفالهما- ولذا لم يكن مدهشا أن يكون انزعاجهما شديد الخصوصية.

- " لن تقدر مطلقا أن تفعل ذلك،" هكذا قال "ستيف" في إحدى ليالي لقائنا في الحانة. " ليس حين تنظر إلى الأسفل فتجد هاتين العينين البنيّتيْن الواسعتيْن تنظران إليك، وذاك الأنف الصغير المرتجف...."
- " الأرانب النيوزلندية البيضاء لها عيون حمراء." قلت له.

هزت "بولين رأسها. " ستيف معه حق، مازلت أذكر الحال التي انتابتك حين تعثرت وانقلبت فوق قطتنا."
أجفلتُ. دهسي لقطتهما كان أسوأ ما مرَّ بي في حياتي كلها. أدركت منذ عهد بعيد أن "بولين" لن تتركني أنسى ذلك الحدث أبدًا.

- " الأمر مختلف،" أجبتُها بينما أختبئ خلف كأس البيرة، "الأمر مختلف تماما."
- " ياللكائنات الصغيرة التعسة! " قالت بابتسامة نصفُها غضبٌ ونصفُها استهزاء. " على الأقل لا تتوقع مني أن أكون لطيفة معك بعد أن تكون قد اغتلت ملايين من الأرانب الرضيعة البريئة، هذا كل ما في الأمر. أنا أتكلم عن الدماء التي تلوّث يديك..."

كانا على حق بلا ريب. أدركت دائما أنني سأواجه معضلةً مع عملية القتل تلك، لكني استطعت أن أطمئن نفسي مادام الأمر مازال رهنًا بالمستقبل البعيد.

بوسعك أن تصنع حالة ذهنية تمكنّك من الكلام عن القتل، سلخ الجلد، التقطيع الخ...، مستخدما تلك المصطلحات العملية الهادئة ذاتها التي تتداولها كتب الزراعة. بوسعك أيضا أن تتعلم كيف تلهي نفسك عن المظهر الريفيّ غير المبهج عن طريق أن تتخيل كم هو رائع أن تعيش في مكان ريفي بسيط مع " فليسيتي كاندال". (3)

غير إني عدلت تماما عن فكرة النوم، ومع بداية تسلل الضوء الخافت عبر الستائر، كان عليّ قبول حقيقة أني لن أستطيع مجددا أن ألهي نفسي أو أصرف تفكيري بالأمر. الوقت الحاسم. أما فيما يخص " فليسيتي كاندال" – فلم تكن في أي مكان حتى تُرى.

حول الخامسة صباحا، انزلقتُ من السرير، ارتديت ملابسي وتسللتُ ببطء إلى الطابق الأسفل، تاركا "ماري" تتنازعها أحلامها الخاصة . وددتُ أن أنهي الأمر بأسرع ما يمكن، ومن الأفضل أن يتم بينما هي مازالت في نومها.

في الخارج، كانت شبورة الصباح الباكر تتدفق وتغطي الأرض. بدا ذلك مناسبا على نحو ما.

كان كل من " راج، وتاج، وبوبتيل" في أقفاصهم المنفصلة في الحظيرة الصغيرة خلف الكوخ. كانت أنوفهم تختلج تجاهي كلما اقتربت أكثر، بينما أخذ "بوبتيل" يضرب الأرض بأقدامه.

إذا قُدِّرَ لك أن تقتل أرنبا، فإليك ما يجب أن تفعله:
تأخذ ساقيه الخلفيتيْن بيدك اليسرى، تقبض على رأسه بيمناك، ثم تلوي الرأس إلى الوراء. في ذات الوقت تضغط يدك إلى الأسفل كي تشدَّ العنق. إذا أديت الخطوات على نحوٍ صحيح، ستنكسر عظمة العنق ويحدث الموت تقريبا في لحظة.
قرأت التعليمات عشرات المرات. أحفظها عن ظهر قلب. بل إني مارست كل تلك الخطوات من قبل على منشفة الصحون باعتبارها أرنبًا ! غير إني بمجرد أن أخرجت "تاج" من قفصها،..... ارتعشت يداي.

حملتها إلى الخارج حتى لا يتمكن "راج و بوبتيل" من رؤية الذي سوف يحدث. داعبتها، أخبرتها أني آسف، ثم، بأسرع وأدق ما يمكن،...
قتلتها.

***
كان الأمر رهيبا، سوف لا أنساه مطلقا. ولن أنسى أبدًا كمَّ القسوة التي كان عليّ أن أجذب بها.

غير إني أنجزت الأمر على نحو صحيح. نعم على الأقل أنجزته على نحو صحيح. إذا كانت قد تألمت، فلم يكن ذلك إلا لثوان قليلة.

بعدما قتلتها، كان عليّ أن أنجز عمليتيْ السلخ والتقطيع. أعرف النظرية – عليك أن تحزم ساقي الأرنبة الخلفيتيْن فوق مفصل القدم مباشرة ثم تعلقها على خطافيْن. بعدها تشقُّ قَطعًا صغيرا أعلى مفصل كلِّ كاحل من ساقيها الخلفيتين، ثم تمد القطع حتى فتحة الإست. بعدئذ تنزع طبقة الفراء عن الجلد عند ساقيها ثم تقشرُّها عن سائر الجسد.

فعلت كل ذلك، فعلته على نحو جيد. لقد هيمنت على الموقف الأساسي ، جابهت الأمر الذي طالما أفزعني ، تصرفتُ كرجلٍ. وكنت بالفعل راضيًا عن نفسي.

***

حين فتحتها لأفرّغ أحشاءها، تبخرت كل مشاعر الغبطة.

***

هبطت "ماري إلى الطابق الأسفل ووجدتني جالسا في المطبخ.

- " ماذا هناك?" قالت
أخبرتُها.

تعرفت على الكبد، القلب، الكليتيْن، لكن ثمة أشياءَ أخرى في الداخل لم أستطع التعرف عليها مطلقا. أشياء لم تكن في الكتب.

عشرة أشياء.

- " كان يجب أن أنتظر يا ماري، "تاج" كانت ملأى بالصغار."
كانت "تاج" حُبلى. بعد كل هذا
--------
1 - انتهاء العطلة الأسبوعية وبداية العمل (ت)
2 - The Good Life فيلم كوميدي بريطاني يتناول حياة أسرة من الطبقة المتوسطة. (ت)
3 - Felicity Kendall - ممثلة إغراء أمريكية . (ت)

---------
* إحدى قصص المجموعة المترجمة التي تصدر قريبا عن دار" شرقيات" وتحمل ذات العنوان "قتل الأرانب: تأليف جون ريفنسكروفت وترجمة فاطمة ناعوت
** قاص وروائي إنجليزي معاصر ولد عام1954 في بريمنجام بإنجلترا ، يعيش في " لينكون شاير" بالمملكة المتحدة. يشارك في تحرير مجلة "كادينزا" Cadenza Magazine . له العديد من الأعمال مثل ( نبتة صغيرة - المشي بالمقلوب- الأشياء التي تركتها وارءكِ - هديةٌ من أجل باكو - أحوال المادة- البومة – الجين المدمر – الزنبقة المدهشة).
حاصل على عدة جوائز من بينها جائزة الكومنولث. كما فاز العام الماضي بجائزة رفيعة في لندن هي Writer of the Year
*** كاتبة وشاعرة ومترجمة مصرية
موقع مجلة المهاجر

أبو العلاء المعرى فى أرمينيا

أبو العلاء المعرى ..أزعم أنه أكبر شاعر عربى إنسانى على مر العصور وتوالى الدهور .
لاتفارقنى لزومياته ..أكاد أؤكد لنفسى أن ماكتبه أبو العلاء المعرى ..هو الخلود ولاشىء غيره.
لا أتذكر كم من المرات قرأت ماكٌتب عنه ..كتابات د.طه حسين ،د،عائشة عبدالرحمن ..وآخرين كثيرين .

رسالة الغفران ..هذا العمل الملحمى الفذ والذى لايقل فى خلوده عن الإلياذة والأوديسا ..لهوميروس وأيضا الإينيادة لفرجيل .
رسالة الصاهل والشاجح ..رسالة الملائكة ..الفصول والغايات ..ديوانه سقط الزند.

أبو العلاء المعرى ..هذا الذى أصابه وابلٌ من النقد الجامح عبر العصور..وهكذا العظماء ..عُرضةً للقيل والقيل ،للمدح والذم .


تعريف القدماء بأبى العلاء ..هذا السفر الضخم ومن القطع الكبير جداً ..وتحت رعاية الدكتور طه حسين ..تم تجميع كل ما كُتب عنه ..قرأتُ هذا الكتاب مرةً بعد مرة ..أزدادُ يقيناً بعبقرية، هذا المعرى وشموخه عبر عصور الأدب .

قرأتُ ..هذه المقالة (أبو العلاء المعرى فى أرمينيا ) أعجبتنى كل الإعجاب ..قلتُ لنفسى لما لا تنشرها ..ترددتُ كثيراً ثم استقر عزمى على نشرها .

أبو العلاء المعري فـي أرمينيا 
أويديك اسحاقيان: 
المعري جسّد صورة البطل الملحمي

محمد لطفي اليوسفي

فى كتابه هكذا تكلّم زرادشت يحدّثنا نيتشه قائلا: «إن المبدع لا يتخذ له رفاقا إلا ممّن كانوا مثله مبدعين. إنه يتخذهم ممن يحفرون سننا جديدة على ألواح جديدة. إن المبدع يطلب رفاقا له بين من يعرفون أن يشحذوا مناجلهم. وسوف يدعوهم الناس هدّامين، غير أنهم في النهاية هم الحاصدون والمحتفلون بالعيد». هذه المقولة تنطبق بالكلّ على ما جرى بين المتنبي والمعري والشاعر الأرمني الأشهر أويديك إسحاقيان.

كريما كان أبو العلاء المعري مع المتنبّي. وكريما سيكون الشاعر الأرمني أويديك إسحاقيان مع المعرّي. وللكرم في الحالتين حكاية جديرة بأن نصغي إليها ونتملاّها. فلقد قضى المعري أيامه تحت الشمس مناصرا للمتنبي ذائدا عنه بقلمه ولسانه. كان المتنبي شاعر بلاطات ملأ الدنيا وشغل الناس حتى أن البلاطات صارت تلحّ في طلبه. أما المعري فقد كان من الشعراء الذين لم يستظلوا بظلّ الشعر ولم يتكسّبوا. 

لم تكن الكتابة عنده صناعة تمرّس بها بل كانت فعل وجود. ولم تكن الكلمات في نظره وسيلة بل كانت ترجمان حقيقة الوجود. والناظر في ما كتبه المعرّي شعرا ونثرا يلاحظ في يسر أن الكتابة لديه لا تتشكّل اتفاقا وبختا أو تسلية واستجلابا للمنافع بل تنهض باعتبارها حدث مواجهة لرعب الوجود. 

لقد عاش المعرّي في زمن بدأت فيه أمجاد العرب تتلاشى وشرع الأفول يتهدّد الثقافة العربية وناسها. والرّاجح أن وعيه الفاجع بما يتهدّد الأمّة العربية الإسلامية من مخاطر هو الذي جعل التفكير في عدمه الخاص ينفتح على التفكير في العدم المتربّص بالأمة قاطبة. هذا في رأيي ما جعل الكتابة لديه تتخذ طابعا مقاوِما. غير أن فعل المقاومة لن يأتي صريحا مباشرا بل سيتّخذ له دروبا ومسالك ملتوية مواربة. وسيعلن عن نفسه في شكل دفاع عن الشعر وذود عن الوجدان الجماعي. لقد كان المعري على يقين من أن الشعر هو بيت العرب إن ضاع تلفوا. 

كان على وعي أيضا بأن تاريخ الشعر والشاعر في الثقافة العربية كان تاريخ هبوط ومرارات وأن دولة الأدب قد دالت، وافتتح الهوان تاريخه. وكلّما تقدّم الزمن ازدادت مآزق الأدب وناسه عنفا ومضاء. حتى لكأنه كان يدرك تماما أن التنظيم الاجتماعي الجديد الذي رافق نشأة المدينة ونظمها هو الذي سيظلّ يمضي بالأدب إلى خرابه ويضع الأديب أمام خيارين كلاهما مرّ. فإما أن يربو بنفسه وبأدبه عن التكسّب والانتجاع ويزهد في الدنيا ومُتَعها ومتاعها فينجو وينجو معه إبداعه -وهذه طريق ليست هيّنة فللحاجة سطوتها وسلطانها- أو يختار الهوان دربا فيحوّل أدبه إلى سلعة ذات قيمة تبادليّة ويمضي على درب التسوّل والسؤال. والمعرّي لا يخفي إدانته للمتكسّبين الذين مضوا على درب الهوان مختارين أو مدفوعين إليه لرقّة الحال وشحّ الرّزق.

يكتب المعرّي في رسالة الغفران: «ومن بغى أن يتكسّب بهذا الفنّ، فقد أودع شرابه في شنّ، غير ثقة على الوديعة، بل هي منه في صاحب خديعة.»١ ولكثرة المدّاحين المتكسبين الذين اتخذوا من الشعر طعمة وصل المعري إلى حدّ إدانة الفنّ نفسه. فعرّف الشعر بكونه مجرّد وسيلة تقرّب وتزلّف.

إنها المفارقة إذن

فالمعرّي يعتبر التكسّب خروجا بالشعر عن حدّه. لكنه عاش مدافعا عن المتنبّي. كان المعرّي شاعرا ومفكّرا نذر حياته لفنه ولم ينتجع بشعره أبدا. كان متعفّفا لم يتخذ من الشعر مكسبة ولم يرتزق به على عادة أغلب الشعراء العرب منذ النابغة حتى أيامنا. أما المتنبّي فقد لطّخت صورته بالمعرّات أصنافا حتى كاد يغدو بمثابة التجسيد الفعلي للشاعر المرتزق المتكسّب الذي مضى على دروب الهوان حتى أقاصيها. حتى لأن صورته في الوجدان الجماعي والذاكرة الجماعية غدت صورة ملتبسة غاية الالتباس ذلك أنه يعدّ الشاعر الأمهر الذي أعاد للشعر العربي لهبه وللكلمة نارها ونجح في منازلة أخفق فيها غيره من الشعراء إذ جعل السلطة لسياسية تمتثل لمتطلبات السلطة الشعرية فصار الملوك يلحّون في طلبه طمعا في مدائحه. لكن كل هذه الأمجاد لا تعني أن صورته ليست محاطة بالمعرّات التي لطخت بها صورة الشعراء المتكسبين الذين حوّلوا الشعر إلى سلعة ذات قيمة تبادلية واستظلوا بظلّ الشعر ومضوا على درب الهوان إلى المنتهى.

وفي حين تجمع كتب تاريخ الأدب وكتب الأخبار على تكريس هذا التصوّر الذي يكاد يخرج بالمتنبي من دائرة الشعر إلى دائرة التسوّل والسؤال سيقف المعرّي مدافعا عن المتنبّي وعن شعره. لكن الدفاع سيسلك طرقا ملتوية مواربة بموجبها يتحوّل من دفاع عن المتنبّي وشعره إلى دفاع عن شرف الكلمة وشرف الاسم لأنه كان يعدّ الشعر بيت العرب.

والثابت أن الناظر في الأخبار التي تفننت في التشنيع على المتنبي سيلاحظ أنها قد تحرّكت في المكر. ومن المكر والحيلة نسجت خيوطها وفتلت أحابيلها. وهي حكايات وأخبار تتبع استراتيجية واضحة غايتها تجريد المتنبي من القيم التي مجّدها العرب واعتبروها تمام الفتوة إن عُدِمها المرء شين وسقط. فلقد تناولت الأخبار نسب المتنبّي وجرّدته من شرف الانتماء إلى عراقة ما. ثم تفنّنت في الكشف عن بخله. فجرّدته من قيمة الكرم التي أعلاها الوجدان الجماعي واعتبرها الطريق المؤدّية إلى الأمجاد والمآثر.٢ وكان أيضاً أنها جرّدته من قيمتي الفروسيّة والشجاعة وأظهرته بمظهر الرّعديد الذي يبعث على الشفقة.٣ ولم تكتف بذلك، بل حرصت على إخراجه من دائرة الشعراء المجيدين وتنزيله في عداد اللصوص والسرّاق الذين لا يتورّعون من نهب أشعار الموتى ونبش القبور.٤ ثم عمدت إلى الطعن في معتقده فتفننت في الإخبار عن ادعائه النبوة.٥ وبذلك تمّت الدّائرة.

لقد كان من المفترض أن نبرة التشفّي والانتقام التي داخلت هذه الأخبار التي شنّعت على المتنبي من شأنها أن تجعل أشدّ القرّاء براءة واستسلاما لمكائد الرواة وألاعيبهم وبراعتهم في حبك الحكايات ونسج الأقاصيص يشعر، ولو من قبيل الحدس، بنوع من الرّيبة. لاسيّما أن صورة الشاعر كما ترسمها أشعاره تتغاير بالكلّ مع ما تحرص هذه الأخبار على تكريسه وإشاعته. ولا يمكن لشاعر زاهد في الدنيا عارف بخبايا النفس البشريّة مثل المعرّي أن لا تعاف نفسه المتنبّي إذا كان يتّصف فعلا بكلّ هذا السقوط وهذه الدونية. وما احتفاء المعرّي بالشاعر وشعره واستماتته في الدفاع عنه إلا أمارة على أن المعرّي كان قد اطّلع على أغلب هذه الأخبار والأقاصيص التي حاكها الحاسدون العيّابون فأدرك أنها إنما نسجت خيوطها من المكر. ومنه فتلت أحابيلها. وتمكّنت، مستندة إلى ما تنبني عليه من مداورة ومواربة وكيد، من إحاطة صورة الشاعر بهالة من سواد. 

لذلك سيقضي المعرّي العمر كلّه مدافعا عن الشاعر قولا وكتابة. وسيصل الأمر بخصوم المتنبّي إلى إذلال المعرّي وإيذائه غير عابئين بعماه وبعلمه وفضله ومنزلته.(٦) 

٭ ٭ ٭

أما حكاية كرم الشاعر الأرمني أويديك إسحاقيان مع المعري فإنها أكثر دلالة على أن المبدع الحق لا يختار رفاقا له إلا ممن كانوا مثله مبدعين مثلما يحدّثنا نيتشه.

فلقد ولد الشاعر الأرمني سنة 1875 وتوفي سنة 1957. افتتن أويديك إسحاقيان بشخصية المعري وشعره فكتب ملحمته حول المعري سنة 1909. كان وقتها شاعرا يشهد له بالفضل فصار بعد كتابة ملحمته الشعرية التي اختار لها عنوان «أبو العلاء المعري» أشهر شاعر في أرمينيا. وسرعان ما أدرجت الملحمة في برامج التعليم الثانوي وفي جامعات أرمينيا وتعاقبت الأجيال التي درست الملحمة واطلعت على تغريبة المعري وعبقريته منظورا إليها من قبل أهم شاعر أرمني أويديك إسحاقيان. والراجح أن مثقفي أرمينيا ومبدعيها في مطلع القرن العشرين كانوا يدركون أنهم ينتمون إلى الروح الشرقية وإلى حضارة الشرق العظيم الذي حرص الغرب على تدجينه وسلبه أمجاده الماضية ومصادرة مستقبله وحريته.

لذلك لم يتردّد الرسام الأرمني الأشهر مارديروس ساريان في قراءة الملحمة واستلهامها في وضع الرسوم التي رأى أنها تلخّص حياة المعرّي وتغريبته تحت الشمس كما تخيّلها شاعر أرمينيا الأشهر أويديك إسحاقيان. لكأن سوء الطالع الذي ملأ بالمرارة حياة المعري سيلاحقه مرّة أخرى حين يزمع أويديك إسحاقيان على نشر الملحمة باللغة الروسية. فحالما أعدّت الترجمة الروسية وأرسل الرسام مارديروس ساريان أكثر من عشرين لوحة إلى دار النشر الروسية في تيفليس اندلعت الحرب العالمية الثانية 1940 فأغلقت دار النشر وفقدت رسوم الفنان مارديروس ساريان. ولم يتمّ العثور على تلك الرسوم كلّها. بل عثر على خمسة منها فحسب في مناطق مختلفة من الاتحاد السوفياتي.

ترجمت الملحمة إلى خمس وعشرين لغة منها الإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية والجيورجية والروسية والفارسية وغيرها.أما الترجمة العربية فقد صدرت سنة 1940 وقد نقلها إلى العربية بارسيخ تشاتويان وخير الدين الأسدي ثم صدرت في ترجمة جديدة اضطلع بإنجازها ناظار ناظاريان ونزار خليلي وصدرت في حلب سنة 2003.

تفتتح الملحمة بمقدّمة شعرية مدارها التعريف بأبي العلاء المعرّي. غير أن التعريف ينفتح على ضبط الإطار الزماني والمكان الذي ستفتتح الحكاية مجراها في فضائه. والراجح أن الشاعر أويديك إسحاقيان كان على يقين من أن المعرّي يجسّد صورة البطل الملحمي. والملحمة كجنس أدبي لا تنهض وتكون إلا متى اكتملت عناصرها البنائية ومن أهمها وجود بطل ملحمي يواجه قدرا لم يختره لكنه يختار أن ينازله، ووجود الرحلة والسفر باتجاه المجهول بحثا عن الحقائق الكبرى التي تؤثث بالمعنى حياة بني البشر وتكشف عظمة الكائن حين يختار أن يجعل من حياته نزالا لا يكلّ وصراعا لا يهدأ أبدا حتى ليكاد يحطّم تحطيما لكنه لا ينهزم ولا يستسلم.

لهذا كله افتتح أويديك إسحاقيان الملحمة باللحظة التي بدأ فيها بطله الملحمي أبو العلاء المعري رحلته باتجاه المجهول بحثا عن الحقائق الكبرى. نقرأ:

أبو العلاء المعري

شاعر بغداد الشهير عاش عشرات السنين

في عاصمة الخلفاء الفخمة

رأى الإنسان وتأمّل شرائعه

وعرفت روحه النافذة الإنسان

عرفته وكرهت شرائعه ونظمه

ولأنه لم تكن له زوجة ولا أولاد

وزّع كلّ ثروته على الفقراء والمعوزين

٭ ٭ ٭

وذات ليلة بينما كانت بغداد راقدة

على شواطئ دجلة المكسوّة بأشجار السرو

أخذ قافلته الصغيرة المحمّلة بالمؤن والذخائر 

وغادر المدينة سرّا...

قسّم أويديك إسحاقيان الملحمة إلى سبعة مشاهد كبرى تتخللها لوحات تتوالد غزيرة لا تكلّ. وتفتتح المشاهد كلّها بوصف قافلة أبي العلاء وهي تحثّ الخطو متباعدة عن مدائن بني البشر وشرورهم. نقرأ مثلا من المشهد الرابع:

٭ ٭ ٭

الليل كخفّاش أسود رهيب نشر أجنحته على الخافقين.

هبطت هذه الأجنحة اللامحدودة وغطّت الطريق والقافلة والسهول الشاسعة عن الأعين.

٭ ٭ ٭

واكفهرّت السماء بالغيوم الكئيبة من الأفق إلى الأفق تتلألأ

القمر لم يسطع بل اسودّ بالدياجير

والظلام كأنه قد التحف بالظلام.

٭ ٭ ٭

هي ذي الرياح العاصفة

هي ذي رياح كالخيول الجامحة، رياحٌ منطلقة تزحف بوحشية رهيبة

هي ذي الرياح ذاتها،

رياحٌ تثير خلفها أمواج أتربة السهول المحترقة وغبارها وتمزجها بكتل الغيوم.

تتقدّم الرياح مخفورة بالأتربة أمواجا تتلاطم وتفرقع، 

تدوي بقشعريرة الموت، فتتصاعد

صرخاتها كأنها آلاف الأصوات جوقٌ من صراخ وعويل ونحيب

رياحٌ تدور دوراناً 

وترجع إلى مداراتها مولولةً كأنها وحوش كاسرة تتلوّى من الجراح،

تزأر،

تئنّ،

أنينا بفم الرياح.

٭ ٭ ٭

كانت الرياح تتلوّى حزينة وتنشج في الأودية الضيّقة وغابات النخيل العذراء

كأنها قلب أمعن في النحيب 

ساكبا أيأس العبرات

على هذا النحو تتقدّم الملحمة وتسطّر حياة المعرّي باعتبارها رحلة مقاومة وصراع. ويتفنّن الشاعر الأرمني في الإيحاء بأن صراع أبي العلاء في الوجود لم يكن صراعا فرديا بل هو لحظة تنكشف فيها هشاشة الكائن وعظمته أيضا. لذلك كثيرا ما يعمد إسحاقيان إلى جعل المعرّي يلهج بأحكام تدين بني البشر وتدين مدائنهم وصنائعهم. الراجح أن ما شهدته أرمينيا وما عرفه شعبها من محن ومذابح وهجرات هي التي جعلت أويديك إسحاقيان يجد في حياة المعرّي وشعره ترجمانا لليأس من بني البشر وميلهم إلى الغلبة والقهر وشهوة الدم مراقا. نقرأ:

٭ ٭ ٭

- انطلقي أيتها القافلة نحو الرياح خذيني،

سيري دون وجل حتى آخر حافة العالم

هكذا كان الشاعر الكبير أبو العلاء المعري يناجي نفسه في أعماق فؤاده الطافح بضجر مثل نار سقر لا تطفأ.

- زمجري أيتها الرياح الهائجة فوق رأسي،

٭ ٭ ٭

أيتها العواصف الهوجاء يا عواصف من حمم البراكين اقصفيني.

- وتفجّري فوق هامتي. ها أنا ذا واقف قدّامك ثابت الجنان أتحدّاك غير هيّاب أو وجل،

قدّامك 

حاسر الجبين، 

بلا لثام في الهجير،

فاصفعيني، قصفا اقصفيني،

٭ ٭ ٭

أنا لن أعود إلى مدن الدنس والطاعون حيث صخب الشهوات في غليان يسمع كالصهيل.

أنا لن أعود

إلى مدن الأشلاء حيث الإنسان الطاغية مثل وحش ذي ناب أزرق يمزّق نظيره الإنسان دوما.

٭ ٭ ٭

ويحك أيتها النفس 

يا نفسي

إنك بلا مأوى بلا وطن بلا رفيق ولا زوّادة للطريق

لكن لن تعودي إلى دارك لأنك أطفأت فيها الموقد الأبوي. 

فسحقا لدار بلا نار

والويل لمن يملك دارا ومأوى

إنه كالكلب مربوط بعتبتها لا يسمع نداء المسافات نداء الأقاصي والنهايات

٭ ٭ ٭

ازحفي أيتها الرياح على دار أبي، 

واهدمي بنيانها دمّري أسسها

وانثري غبارها في أطراف العالم. 

فما داري الآن إلا هذه الطريق اللامتناهية. 

وإقامتي في الرحيل، 

سيأخذني الرحيل إلى الرحيل.

٭ ٭ ٭

العزلة هي الآن حبي الوحيد.

السماء المزدانة بالنجوم هي خبائي الأبوي.

والقافلة هي رفيقي الآن.

وما راحتي إلا طريقي هذه الخالية من المحطّات.

٭ ٭ ٭

أنت أيتها الطريق الساحرة المجهولة أبدا وطني الجديد الفاتن دوما

خذيني معك، 

خذي قلبي المنتحب أبدا، إلى هناك حيث لا أثر للإنسان.

٭ ٭ ٭

عليك بالحذر من الناس. 

على المرء أن يكون حذرا دائما أبداً

فكن مستعدا دوما ولا ترفع يدك عن مقبض سيفك

لئلاّ يمزّقك صديقك أو عدوّك 

ولئلاّ يفترس لحمك افتراسا، مزقا مزقا

ومثلما كان وفاء المعري لأبي الطيب المتنبّي مثالا لوفاء المبدع المنشق لمبدع رأى الدنيا تتكالب عليه والعيابين الطاعنين يشنعون عليه جاء وفاء أويديك إسحاقيان للمعري وتجربته عظيما هو الآخر. فلقد أعاد الشاعر الأرمني إنتاج حياة المعري وتجربته الشعرية وتغريبته بين بني البشر. كان المعري كريما مع المتنبي. وكذا هي حال الشاعر الأرمني الأشهر مع المعرّي. لا سيما أن الملحمة لا تكتفي بمحاكاة ما حفّ بحياة المعري من نكد وسواد بل تعمد إلى تمجيد المعري وتعليه وتصوّر حياته لا باعتبارها رحلة عذابات ومحن بل تجسّدها من جهة كونها رحلة عروج نحو المطلق واللانهائي، نحو منبع النور،إذ يختم إسحاقيان الملحمة هكذا:

كان أبو العلاء يحدّق في الشمس كالنسر

يحلّق طائرا دون هوادة وروحه ثملة بالنور مضاءة بمشاعل السعادة.

٭ ٭ ٭

هي ذي الصحراء بيدٌ خلفها البيد

هي ذي الصحراء وحدها 

كانت تمتدّ من ورائه عارية في أحضان النور، وليس لها حدّ.

وفوق رأسه ميّاسة كانت الشمس تميس ناشرة جدائلها الياقوتية بلا نهاية.

والشاعر الكبير أبو العلاء ينطلق في الأجواء، ويحلّق مظفّرا شامخا

وعلى كتفيه يموج الرداء الأرجواني بلألائه، وهو منطلق نحو الشمس، نحو الشمس

الخالدة الأزلية.

٭ ٭ ٭

الهوامش

١- أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، تحقيـق محمد عزّت نصر الله، بيروت: نشـر المكتبة الثقافية (د.ت)، ص٢٩.

٢- حرصت العديد من الأخبار التي تناقلها الرواة على وصم المتنبي بمعرّة البخل والتّهالك على جمع المال ومنعه. وهي أخبار وروايات تنوع من كيفيّات حبكها لأحابيلها فتستغلّ ما أحاط بمقتل الشاعر من غموض وتشرع في التوالد منتهكة عرضه حريصة على تلطيخ ذكره بعار لا ينسى. ههنا يتنزّل ما تناقلته المتون القديمة من أن البخل هو الذي قاد المتنبّي إلى حتفه. 

يحدثنا يوسف البديعي في كتابه الصبح المنبي عن حيثية المتنبي عن مقتل المتنبّي وابنه وغلامه فيذكر ص 192، أن البخل هو الذي قاده إلى حتفه وأودى بمن معه إلى التّهلكة. نقرأ: زوقيل إن الخفراء جاؤوه وطلبوا منه خمسين درهما ليسيروا معه، فمنعه الشحّ والكِبْر، فتقدّموه، ووقع به ما وقع.س

وتجمع بعض المتون القديمة على أن فاتكا الأسدي ظلّ يتعقّب المتنبّي ويترصّده في تطوافه بين الأقاليم والمدائن، مقرّا العزم على قتله انتقاما منه على هجائه لابن أخته وتشنيعه به، في حين تعمد متون أخرى إلى تحريف ما شاع من أمر إصرار فاتك على قتل المتنبّي. يشير الأصفهاني في كتابه الواضح في مشكلات شعر المتنبي، ص26 إلى أن فاتكا كان من قطّاع الطرق وقد قتله لينهب متاعه ويستولي على ثروته. وهو يورد خبرا يتفنن فيه الراوي في وصف ثروة المتنبي قائلا على لسان أبي الحسن السوسي والي الوزير المهلّبي على الأهواز: «ورد المتنبّي علينا ونزل عن فرسه ومقوده بيده وفتح عيابه وصناديقه لبَلَلٍ مسّها في الطريق، وصارت الأرض كأنها مطارد منشورة».

هكذا تستغلّ الحكاية ما شاع حول المتنبّي من أنه كان إذا سافر حمل معه جميع أمتعته وكلّ ثروته. وتومئ بذلك إلى أن حاله تلك هي التي ستغري به قتلته. لذلك يلح واضع هذا الخبر على أن فاتكا الأسدي حضر المشهد ورأى تلك الخيرات ثم زجاءه بجمع وقال: قد سار الشيخ من هذه الديار وشرّفها بشعره والطريق بينه وبين ديْر قُنّة خشين قد استوحشته أهل العياثة والخِرابة والصعلكة وبنو أسد يسيرون في خدمته إلى أن يقطع هذه المسافة ويبرّ كلّ واحد منهم بثوب بياض. 

وهذا يعني أن فاتكا الأسدي لم يأت للإيقاع بالمتنبّي، بل جاء يطلب رزقا. فعرض خدماته على الشاعر وبيّن له ما يتهدّد حياته من خطر. هذا ما يلحّ عليه الراوي مشيرا، في الآن نفسه، إلى أن بخل الشاعر وشرهه وتكالبه على متاع الدنيا هو الذي سيدفع به إلى رفض النصيحة ورفض خدمات فاتك. ثمّة إيماء واضح إلى أن المتنبّي بلغ من شدّة بخله أن خيّر المغامرة بحياته وحياة من معه على التخلّي عن بعض متاع الدنيا. إن الحرص يهلك صاحبه. والبخل رذيلة تقود المرء إلى حتفه. هذه هي العبرة التي بها يتوسّل الراوي استدراج المتلقّي إلى النفور من شاعر يملك من المتاع ما جعل «الأرض كأنها مطارد منشورة». ويبلغ من شدّة حرصه وشرهه حدّا يجعله يهلك دون بعض الأثواب. غير أن هذا الخبر سرعان ما ينفتح على نوع من التشفّي يكشف حقد واضعه على الشاعر.نقرأ: «فقام فاتك ونفض ثوبه وجمع رُتُوتِ الأعاريب الذين يشربون دماء الحجيج حَسْوًا، سبعين رجلا ورصد له، فلمّا توسّط المتنبّي الطريق خرجوا عليه فقتلوا كلّ من كان في صحبته، وحمل فاتك على المتنبّي وطعنه في يساره ونكسه عن فرسه، وكان ابنه أفلت إلاّ أنه رجع يطلب دفاتر أبيه فقنح خلفه الفرس أحدهم وحزّ رأسه وصبّوا أمواله يتقاسمونها بطُرْطُوره.»

٣- عديدة هي الأخبار التي تفننت في نعت المتنبي بالجبن. ليقين واضعيها أن أفظع معرّة يمكن أن تشين في الوجدان الجماعيّ العربي إنما هي الجبن. وليس للجبن شبيه أو صنو يمكن أن ينزل بالمرء في مجتمع مجّد الفروسيّة والبطولة والفتك. فلا مجال في مطلق الرجولة للخوف والهشاشة والجبن. فإذا لم يكن المرء شجاعا باسلا مقداما خرج من دائرة الرجولة وتلقّفه عار لا يبلى. عن الوعي بمنزلة الشجاعة في المتخيّل الجماعيّ والوجدان الجماعيّ ستصدر العديد من الأخبار وتشرع في نسج أحابيلها. فتنطلق ممّا تحدّث به المتون من أن المتنبّي كان يرافق أمير حلب في حروبه وغزواته ضدّ الروم وتتفنّن في تهزئة الشاعر. نقرأ في كتاب الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، ص78-79 الخبر التالي: «وصحب سيف الدولة في عدّة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة الفناء التي لم ينج منها إلا سيف الدولة بنفسه، وستّة أنفار أحدهم المتنبّي، وأخذت الطرق عليهم الروم، فجرّد سيف الدولة سيفه، وحمل على العسكر، وخرّق الصفوف، وبدّد الألوف. وحكى الرقّى عن سيف الدولة قال: كان المتنبّي يسوق فرسه، فاعتلقت بعمامته طاقة من الشجر المعروف بأمّ غيلان، فكان كلّما جرى الفرس انتشرت العمامة، وتخيّل المتنبّي أن الروم قد ظفرت به، فكان يصيح الأمان يا علج، قال سيف الدولة: فهتفت به وقلت: أيّما علج؟ هذه شجرة علقت بعمامتك فودّ أن الأرض غيّبته.»

٤- يذكر أبو سعيد محمد بن أحمد العميدي المعروف بعدائه للمتنبي، في كتابه الإبانة عن سرقات المتنبّي، ص25 وما بعدها: «ولقد حدّثني من أثق به: أنه لما قتل المتنبّي وجد معه ديوانا أبي تمّام والبحتري بخطّه وعلى حواشي الأوراق علامة كلّ بيت أخذ معناه وسلخه، فهو يَحلّ له أن ينكر أسماء الشعراء وكُناهم، ويجحد فضائل أولاهم وأخراهمُ إلى أن قال: وأنا بمشيئة الله تعالى أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وادّعى الإعجاز لنفسه فيها، ليشهد بلؤم طبعه في إنكار فضيلة السّابقين، ويسمهُ بما نهبه من أشعارهم بسِمة السّارقين.»

٥- الراجح أن الهالة التي أحاط بها الوجدان الجماعيّ المتنبي وشعره هي التي أدّت إلى تكالب الحاقدين عليه، والمكانة التي نالها في عصره هي التي جعلت الأخبار تلحّ على تعداد مثالبه. وخصومه من الطاعنين العيّابين إنما استندوا إلى ما شاع حول زخبث معتقدهس ورقّة دينه وشرعوا ينسجون الحكايات التي تطرده من دائرة العقيدة وتعاليمها. لذلك جاءت الأخبار التي أسندت إلى علماء من ذوي الفضل وأهل الرأي والحكمة من أمثال أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جنّي ممّن عاصروه وجمعتهم به مجالس، وتلك التي لهج بها من ناصره من الشعراء من أمثال المعرّي، مضادّة للأخبار التي جاءت تدين وتفضح وتشهّر. نقرأ مثلا في الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ص٥٦: زقال أبو علي: قيل للمتنبّي على من تنبّأت؟ قال: على الشعراء. فقيل: لكلّ نبيّ معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت: (الطويل)

ومِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا علَى الحُرِّ أنْ يَرَى

عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ. 

ويورد المعرّي في رسالة الغفران ص٦٦، خبرا يفسّر به معنى النبوّة التي ادّعاها المتنبّي فيعدل عن الدلالة الدينيّة إلى الدلالة اللغوية قائلا:

««وحدّثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللّقب، قال: هو من النّبْوَةِ، أي المرتفع من الأرض. وكان قد طمع في شيء كان قد طمع فيه من هو دونه. وإنما هي مقادير، يديرها في العلوّ مدير، يظفر بها من وفّق، ولا يُراعُ بالمجتهد أن يخفق.»

(٦) كانت صلة المعرّي بأسرة المرتضى متينة جدّا، وكان يحضر مجلس الشّريف المرتضى. وقد رثى أبا أحمد، والد الشريفين الرضى والمرتضى الذي توفي في جمادى الأولى سنة أربع مائة. وكان أنه حضر مجلس المرتضى، فجرى ذكر المتنبّي، وكان المرتضى يكرهه ويتعصّب عليه، وكان أبو العلاء يحبّه ويرى أنه أشعر المحدثين، ويفضّله على بشّار ومن بعده كأبي نواس وأبي تمّام، فانتقصه المرتضى، وأخذ يتتبّع عيوبه، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبّي من الشعر إلاّ قوله: زلك يا منازل في القلوب منازلس لكفاه فضلا. زفغضب المرتضى وأمر بإخراجه، فسحب برجله حتى أخرج. ثم قال المرتضى لمن حضره: أتدرون لم اختارخ الأعمى هذه القصيدة دون غيرها من غُرر المتنبّي؟ قالوا: لا. قال إنما عرّض بقوله: (الكامل)

وإذَا أتتْكَ مَذَمّتِي مِنْ نَاقِصٍ

فَهْيَ الشّهَادَةُ لي بِأنّيَ كَامِلُ

انظر: أبو العلاء المعري، شرح ديوان أبي الطيّب المتنبّي ..معجز أحمد..تحقيق عبد المجيد دياب، القاهرة: دار المعارف، سلسلة ذخائر العرب (د.ت)، ص100-١٠١.

مجلة نزوى