بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 5 يناير 2015

المجاز وفن الشعر ..لبورخيس

خورخي لويس بورخيس

كتاب "فنّ الشِّعْر"

محمد المزداوي*



المجاز



شكَّل "المَجَاز" جُزءًا من حلقة محاضرات ألقاها "خورخي لويس بورخيس" باللغة الإنجليزية في جامعة "هارفارد"، خلال السنة الجامعية 1967-1968. وقد نشرتْ دار غاليمار الفرنسية هذا النصّ مع نصوص أخرى، وهنا ترجمة لمحاضرة تحمل عنوان "المجاز". 



ما دام موضوع محاضرتنا هو المجاز، فلنبدأ بأحد المجازات. وهذا المجاز الأول من بين مجازات متعددة، يأتينا من الشرق الأقصى، من الصين. فالصينيون، إنْ لم أكن مخطئاً، يمتلكون تعبيراً للدلالة على العالَم: فَهُمْ يتحدَّثون عن "عشرة آلاف شيء" أو أيضاً، وحسب بعض الترجمات، عن "عشرة آلاف كائن".

ولا شيء يمنعنا من قبول هذا التقدير المتواضع. فمن الأكيد أنه توجد أكثر من عشرة آلاف نملة، ويوجد أكثر من عشر آلاف رجل، وأكثر من عشرة آلاف أَمَل، وأكثر من عشر آلاف خوف أو كابوس. ولكننا إذا قبلنا رقم "عشرة آلاف"، وإذا تذكَّرْنَا أن كلَّ مجاز يستند على الربط بين شيئَيْن مختلفين، فإننا نستطيع، إذا أتاحَ لنَا الوقت، أن نتوصل عبر عملية حِسَابية إلى مجموع لا يمكن تخيُّلُهُ من المجازات الممكنة. لقد نَسِيتُ الحساب، ولكنّي أعتقد بأنّ هذا المجموع سيتمّ الحصولُ عليه من خلال ضرب رقم 10000 في 9999 ثم ضربه في 9998 وهكذا دواليك. ومجموع هذه التركيبات والتوافيق الممكنة، بطبيعة الحال، ليست لانِهَائية ولكنّه مَجموعٌ مُذْهِلٌ. في ظل هذه الشروط سيكون من المنطقي أن نَتَسَاءَلَ لماذا شعراء كلّ العالَم وكل الأزمنة يلتجئون إلى نفس المجموعة من المُقارَنَات- في الوقت الذي يمكن أن توجد فيه بعضُ التركيبات والتوافيق الممكنة. 

حينما استنتج الشاعر الأرجنتيني "لوكونيس"Lugones، منذ سنوات عديدة، في سنة 1909، أنّ الشعراء يستخدمون دائما نفسَ المجازات، اقترحَ القيام باختراع مجازات جديدة عن القمر. وفي الحقيقة قام باختراع مِئات منها. وكتب أيضاً في مقدمة كتاب معنون بِـ"....Lunario sentimental، أنَّ كلَّ كلِمَةٍ هي مجازٌ ميّت، وهذه الجملة(كلّ كلمة هي مجاز ميّت) هي في حدّ ذاتها، بطبيعة الحال، مجازٌ. ولكننا نعرف جميعا الفرق الموجود بين المجازات الميّتة والمجازات الحيّة. فإذا قمتُ بفتح معجم اشتقاقيّ جيّد(أُفكّر في معجم صديقي المجهول، الدكتور "سكيت"Skeat)، وإذا ما استندنا إلى كلمة معيّنة، فمن الأكيد أننا سنعثر على مجاز قابِعٍ في مكان ما. 

) فكلمة preat (threat)تهديد/وعيد/نذير بِخَطر) مثلاً، التي تُصادِفونَهَا في الأبيات الأولى من Beowulf، تدلّ على "جماعة هائجة". ولكن الكلمة، اليومَ، تعبّر عن أثر ومفعول هذه الجماعة/الجمهور (التهديد) وليس عن السبب. ولْنَفْحَص أيضا كلمة كينغ"King. فكلمة "كينغ" King كانت في البداية "كيننغ" Cunning، التي تعني "الرجل الذي يمثّل العائلة(le clan)، الشَّعْبَ". ومن الناحية الإشتقاقيّة كلمة king و"kinsman" و "gentleman" هي أيضا نفسَ الكلمة. غير أني إذا قلتُ: "الملك قاعِدٌ في بيت خَزَائِنِه، ويُحصِي أموالَهُ"، فإننا لا نفكّر في المجاز المُضْمَر. وفي الواقع إذا مال اختيارُنَا إلى التفكير المُجَرَّد، فعَلينا أن ننسى أن الكلمات كانت مَجَازاتٍ. علينا أن ننسى، مثلاً، أن في كلمة "considérer" يوجد إيحاءٌ وإيعاز وشُبْهَة بعلم التنجيم، "considérer" كانت تدلّ في المعنى الأصلي على "التواجد مع النجوم" وعلى "كَشْفِ الطالِع". 

فلْنَقُلْ إنّ ما هو مهمٌّ في مجازٍ مَا، هو أن القارئ أو المستمع، وَاعٍ بأنَّهُ أمَامَ مجازٍ مَا. إذاً فأنا أريد أن أقتصر في هذه المحاضرة على المجازات التي يَنْظُر إليها القارئ على أنها مجازات- تَارِكِينَ على جَنب كلمات من نوع "ملِك" أو "تهديد" وعدد كثير من الكلمات التي نستطيع ذكرها إلى ما لا نهاية. 

بدايةً أريدُ أن أفحصَ موديلات أو ثيمات مطروقة من المجازات. أستخدم كلمة "موديل" لأن المجازات التي سأقوم بذكرها، يمكن أن تبدو، من وجهة نظر تخييلية، مختلفةً جِدّاً، ولكن التفكير المنطقي يستطيع التعرّف على هوِيَّتِهَا تقريباً. حتّى إننا نستطيع أن نتحدّث عنها كَمُعَادَلات. فلنأخذ المجاز الأول الذي يحضُرُني، وهو المُقارَنَة المعروفة والتي كرّسَتْهَا كلّ العصور، بين العيون والنجوم، أو على العكس بين النجوم والعيون. والمثال الأول الذي أتذكره يأتي من "الأنطولوجيا الإغريقية" وأعتقد أن "أفلاطون" يمكن أن يكون هو المؤلف. وهي مجموعة أبيات شعرية (أنا لا أعرف اللغة الإغريقيّة) تقول بشكل تقريبيّ ما يلي: "أنا أتمنّى أن أكون اللَّيْلَ كَيْ أَرَى نَوْمَكِ بملايين العيون." إنّ ما نراه، هُنَا، هو حَنانُ عاشقٍ، ورغبَتُهُ في أن يكون قادراً على رؤية حبيبَتِهِ من نِقَاط عديدة، من نِقاط متعددة. خلفَ هذه الأبيات الشعرية، يمكننا تخيّل الحنان. 

لِنَرَ مثالاً آخَر، أقَلَّ شهرةً: هذا التعبير "النُّجومُ تنظُرُ مِنْ عَلِ". إذا أخذنا مأخَذَ الجدّ التفكير المنطقي، فإنه يمكننا التعرّف، هنا، على مجازٍ مشابه للمثال السابق. غير أنَّ الأَثَرَ أو الوَقْعَ على خَيَالِنَا مختلف. "النجوم تنظر مِنْ عَلِ" لا تُعبِّرُ عن شيء من الحُنوّ أو الحنان، بل وتوحي، على العكس، بفكرة العَمَل الشاقّ لأجيال وأجيال بشريّة تحت النظر اللاّمُبَالِي للنجوم. 

ننتقل، الآنَ، إلى مثال آخَر. يتعلّق الأمر بمَقَاطِع شعريّة كان لهَا تأثير قويّ على نفسي. والأبيات مقتبسة من قصيدة لِـ G. K. Chesterton معنونة "طفولة ثانية".

ولكنّي لن أشيخ كثيراً حتى أرى انسدال الليل الهائل،

سحابٌ أكثر سعة من العالَم،

وَحْشٌ(خرافيّ) مُكوَّنٌ مِنْ عيون.



لا يتحدّثُ "شيستيرتون" Chesterton عن وحش(خرافيّ) مليء بالعيون"(نحن نعرف كثيراً من الوُحُوش من خلال رؤيا القدّيس يوحنّا) ولكن-وهذا شيء رهيبٌ جدّا-ولكنه يقول "وحش مُكَوَّنٌ من عيونٍ"، كَمَا لَوْ أنّ هذه العيون كانت التركيبَ الحيَّ للوحش.

لقد فَحَصْنَا ثلاثَ صُوَر مبنية على نفس الثيمة، ولكن ما أريد أَن أُشِيرَ إليه- وهي النقطة الأولى من بين النقطتين المُهِمَّتَيْنِ اللتين أريدُ أن ألْفِتَ انتباهكم إليهما في هذه المحاضرة-، هُوَ الاختلافاتُ، بالرغم من أنّ الثيمةَ مُشابِهَةٌ في ما هو أساسيّ: في الحالة الأولى، المثال الإغريقي، "أتمنى أن أكونَ الليلَ" يُريدُ الشَّاعِرُ أن يُشْعِرَنَا بِحَنَانِهِ، وبوحدته؛ وما نحسّ به، في الحالة الثانية، هو نوعٌ من اللاّمبالاة الإلهية بالمقارنة مع البشريّ؛ وفي الحالة الثالثة يُصبِحُ اللَّيْلُ الأليفُ كابوساً. 

والآن نحن مع مجاز مبنيّ على موديل مختلف- إنها فكرة الزمن الذي ينسابُ مثل نَهْر. المثال الأول مقتطع من قصيدة كَتَبَهَا "تينيسون"Tennyson، فيما أعتقد، في سنّ الثالثة عشر أو الرابعة عشر. ثمّ قام بإتلافها فيما بعد، ولكن من حسن حظّنا نحن، أنَّ بيتاً شعريا نَجَا، وستجدونه، حسب ما يبدو لي، في بيوغرافيا "تينيسون" Tennyson التي كتَبَها "أندريو لانغ" Andrew Lang. وهذا البيت الشعريّ هو: "الزمنُ مُنْسَاباً في الليل." أعتقد أنّ "تينيسون" اتبع اختياراً حذراً ومتيقِّظاً، لأنّ كلَّ شيء يكون صامتا في الليل، ويكون الرجال نائِمينَ، ومع ذلك فالزمنُ يستمرّ في انسيابيته دون ضجيج. هذا هو مثالي الأول.

ثمّ توجد رواية(أنا متأكِّدٌ أنكم تفكرون فيها في هذه اللحظات) تحمل، ببساطة، عنوان: "الزمن والنهر". (لِـ"طوماس وولف"Thomas Wolfe، سنة 1935). إنّ مجرّد تقريب الكلمَتَيْن يوحي ويُشعِر بالمجاز: الزمن ينساب مثل نهر. وها هي أيضا الجملة الشهيرة للفيلسوف الإغريقي: "إنَّكَ لا تستحمّ في النهر مَرَّتَيْن"(هراقليطس، المقطع 41). هنا تتمّ معرفةُ الشُّعورِ بالقلق، لأنه إذا كان تَفْكِيرُنَا، في البداية، يتّجهُ إلى استمراريّة النهر الذي ينسابُ والذي تتميّز قطراتُ الماءِ فيهِ بأنها مختلفةٌ، فإننا مُرْغَمُونَ، بالتّالي، على أن ندرك أنّ النهر هُوَ نَحْنُ، وأننا بطبيعة الحال هَارِبُوَن مثل النَّهر. 

أفكّر أيضا في أبيات "مانريك"Manrique:

حَيَوَاتُنَا هي الأنهارُ

التي ترتمي في البحرِ،

البحرُ الذي هو الموتُ.



حين ننتهي من ترجمة هذه الأبيات لا تعطينا كبيرَ تأثير. وكنت أتمنى أن أستطيع تذكُّرَ الترجمة التي أعطاها "لونكفيلو"Longfellow في .."Coplas de Manrique". (سنَعود إليها في محاضرة قادمة) وبطبيعة الحال فإنّ خلف المجاز العادي توجد موسيقى الكلماتِ البطيئةُ:



حَيَوَاتُنَا هي الأنهارُ

التي ترتمي في البحرِ،

البحرُ الذي هو الموتُ.



هُنَا، بشكل مستقيم،

تضمحلّ وتُلْغَى

السيادات العالية.



ومع هذا فالمجازُ واحدٌ في كلّ الحالات التي أشرنا إليها. 

فلننتقل، الآن، إلى موديل مطروق والذي من المحتَمَل أن يثير ضحككم: وهو المقارنة بين النساء والأزهار وأيضا المقارنة بين الأزهار والنساء. والأمثلة في هذا المجال كثيرةٌ، وأودّ أن أذكر واحدا منها، ربّما، غير مألوف بالنسبة لكم، وهو مقتبس من رائعة غير مكتملة "Weir of Hermiston" لِـ"روبير لويس ستيفينسون" Robert Louis Stevenson. يدخل بطل الكِتَاب إلى كنيسة في "اسكوتلندا"، حيث يلمح فتاة شابّة- يتعلّق الأمر بشابّة جميلة، هذا ما نفهمه-وينتابنا الإحساس بأنه مستعدٌّ لأن يصبح عاشقاً. لماذا؟ لأنه إذا كَانَ ينظُرُ إليها ويتساءَلُ لو أنّ روحاً خَالِدة تسكُنُ هذا الجسدَ الجميلَ أم أنَّ الأمرَ يتعلّق بحيوان متزيِّنٍ بِلَوْنِ الأزهار، فإنّ قسوة وعنف كلمة "حيوان" تجد نفسَهَا مُلغاة عبر "لون الأزهار". لا أعتقد أنه من الضروريّ البحثُ عن أمثلة أخرى لهذه الثيمة التي توجد في كلّ الأزمنة، وتحضُرُ في كلّ اللغات وكلّ الآداب. 

توجد ثيمة أخرى أساسيّة للمجازات وهي ثيمة مُقَارَنَة الحياة بالحُلم، هذا الشّعورُ الذي يستولي علينا وهو أنّ الحَياةَ هي حُلم. والمثال الذي يحضُرُ، حالاً، إلى ذهننا، هو البيت الشعريّ للعاصفة : "إننا كالأحلام، خُلِقْنَا من نفس النسيج" من الممكن أن ما سوف أقوله لكم سيَبْدُو تَجْدِيفِيّاً- إنّي أُحِبّ "شكسبير" كثيراً، بحيث أنّ هذا لا يُضَايِقُنِي-ولكنّي أجد أننا حين ننْظُر، عن كَثَب، إلى هذا البيتَ(ولكن يجب علينا ألاّ ننظر إليه عن كثب؛ بل يجب أن نكتَفِي بأن نكون معترفين لـ"شكسبير" بالجميل للكثير مِن المِنَحَ التي وهبنا إياها)، فإننا سَنُلاَحِظُ تناقُضاً، خفيفاً دُونَ شكّ، بين كون حَيَوَاتِنَا هي جوهَرُ أحلامنا وبين هذا التأكيد القاطِع: "إنَّنَا كالأحلام خُلِقْنَا من نفس النسيج". لإنه إذا ما كُنَّا لا نُوجَدُ إلاّ في حُلم، أَتَسَاءَلُ كيف نستطيع أن نعلن عن هذه التأكيدات القاطعة. إنّ جملة "شكسبير" تتعلّق بالفلسفة أو الميتافيزيقا أكثر مما تنتمي إلى الشِّعْر- حتى ولو أنّ السيّاق يُخوِّلُ لَهَا قيمة شعريّة. 

مِثال آخَر من نفس المجاز يوجدُ لدى شاعِر ألماني كبير-ومع ذلك، فهو شاعِرٌ صغيرٌ في نَظر "شكسبير"(وهي ربما حالةُ كلّ الشعراء، باستثناء اثنين أو ثلاثة). أُشِيرُ إلى قصيدة شهيرة لِـ"فالتر فون دير فوجيلوايد"Walther von der Vogelweide، والتي سأقرأها باللغة الألمانية(ستغفرون لي نُطقي وتلفّظي): "هل حلمتُ بحياتي أم هي حقّا حقيقة؟" إنّ الشاعر، هنا، في نظري، أكثرُ تلاؤُماً مع ما يسعى جَاهِداً للتعبير عنه، لأنه بَدَل تأكيد قاطع نجد أنفسَنَا إزاء إحدى الأسئلة. إنّ ما يحدُثُ له قد حدث لنا جميعاً، ولكننا لم نعثر على الكلمات لِقَوْلِ هذا، مثل كلمات "فالتر فون دير فوجيلوايد". إنه يتساءَلُ: "هل حلمتُ بحياتي أم هي حقّا حقيقة؟" وهذا التردّد يُشكِّلُ، فيما أعتقد، جوهرَ ونسيجَ حُلم وُجودِنَا.

غالبا ما أستشهد، كما هو شأني دائما، بنصٍّ للفيلسوف الصينيّ "شوان تْزُو"Chuan Tzu، ولا أعرف إن كان قد سبق لي أن ذكرتُهُ في محاضرتي السابقة. وفي كلّ الحالات، لقد حلم هذا الفيلسوف أنه أصبح فراشةً وحين استيقظَ لم يكن يعرف إن كان هو إنساناً حَلمَ بأنه أصبح فراشة أم أنه فراشة حلمتْ بأنها أصبحت إنساناً. ومن بين كلّ المجازات، أعتبرها الأجملَ. أوّلاً لأنّه يبدأ بِحُلم، على الرغم من أنّ حياة هذا الرجل، حين يستيقِظُ، تحتفظ ببُعْدٍ حُلْمِيّ. ثمّ لأنّ المُؤلِّفَ، وبشيء من النُّدْرَة ومن السعادة المُدهِشَة، اختار من بين كلّ الحيوانات، الحيوان الذي يجب وينبغي. فلو قال: ""شيان تْزُو" حَلم أنه أصبح نَمِراً"، فإن هذا كان سينهار كَقَصْرٍ مِن وَرَق. إن الفراشة تمتلك شيئاً من الرهافة والرقّة ومن التَلاَشِي. وإذا لم نكن إلاّ أحلاماً، فإن الفراشة بدل النمر هي أحسن طريقة توحي بها. ولو أنّ "شيان تسو" حلم أنه أصبح آلة كاتِبَة، فإنه ما كان ليستخرج منه شيئا. وماذا لو حلم أنه أصبح حُوتاً؟ ما كان هذا سَيُجْدِينَا فتيلاً. لا، إنّ الفراشة هي الكلمة الصحيحة، الكلمة التي تُنَاسِبُ ما نودّ التعبير عنه.

فلننتقل الآن إلى ثيمة أخرى للمجاز، وهي ثيمة معروفة ومتداولة جدا، تربِط بين أفكار النوم والموت. نجدها، بصفة شائعة، في اللغة اليومية، ولكنّنا لو بَحثنا عن أمثلة شعرية، فإننا سنجد أنها تقدّم اختلافات كبيرة. أعتقد أن "هوميروس" هو الذي تحدث عن "نوم الموت الحديديّ"[إننا لا نجد إشارة إلى "نوم من حديد" في الإحالات الإحدى والثمانين لكلمة "نوم" الموجودة في فهرست هوميوس. ربما يفكّر بورخيس في "إنياذة" "فيرجيل"]. توجد هنا فكرتان متناقضتان: الموت هو نوع من النوم، ولكن هذا النوم مُكوّنٌ من المعدن الصلب، من معدن قاسٍ وصعب المِراس. إنه نوعٌ من نوم لا يأتيه ولا يستطيع أن يٌكسّرهُ أو يُحَطِّمَهُ شيءٌ. أمّا "هين" Heine فقد كتب عن الموت كما لو كان "ليلة مُعجِّلَة". ولكن ما دُمْنَا، هنا، في شمال "بوسطن"Boston، فإني أعتقد، أنه من المناسب ذِكْرُ أبيات "روبرت فروست" Robert Frost، المعروفة جدا ربما:

الغابة فاتنةٌ، مُعتِمَةٌ وعميقة

ولكن لديّ وعودٌ واجبٌ احترامها

وأميال عليَّ أن أقطعها قبل أن أنام

وأميال عليَّ أن أقطعَهَا قبل أن أنام.



إنها أبيات شعرية رائعة، بحيث إننا لا نرى الحيلة والخدعة. ومع ذلك، وهذا شيءٌ مزعجٌ، دون شكّ، فإنّ الأَدَبَ يرتكز على الخُدَع. ومع الزمن، تنتهي هذه الخُدَع بأن تُكْتَشَفَ وينتهي المطافُ بالقارئ إلى التعب. ولكن في حَالَةِ قصيدتنا الشعريّة، فالحيلة خفِيّة بحيث إنني أخجل من استعمال هذه الكلمة(أستخدمُ هذه الكلمة بسبب عدم عثوري على كلمة أخرى). إنّ "فروست" Frost يكشف عن جرأة متفرّدة. إنه يُعيدُ نفسَ البيتِ الشِعريّ مرّتين، كلمة كلمة، ولكن المعنى مختلفٌ في كلّ مرة. "وأميالٌ عليَّ أن أقطعَهَا قبل أن أنام". المعنى في البيت الأول ماديّ، بصفة خالصة، الأميال هي الأميال في فضاء انكلترا الجديدة، والنوم هو النوم. في المرة الثانية، يتركُنَا الشّاعِرُ نتخيّل أن الأميال ليست لها دلالةٌ فضائيةٌ فقط، ولكن أيضاً دلالة زمنيّةٌ، وبأنّ النوم يدلّ على الموت-أو الاستراحة النهائية. ولو أنّ الشاعرَ قَالَهَا، حرفِيّاً، فإنّ أثَرَ أبياتِهِ كان سيكون خفيفاً. لأنّ ما يوحي، وهذا هو شعوري وانطباعي أنا على الأقلّ، يملك سلطةً أقوى من ما يُعَبَّرُ عنه بتفخيم. ويُمكِنُ للعقل البشريّ أن يملك نُزوعاً نحو رفض كلّ تأكيد قطعيّ. أتتذكّرون ما قاله "إيميرسون": "الحُجَجُ لا تُقنِعُ أحداً. إنها لا تُقنِعُ أحداً لأنها تقدّم نفسَهَا كَحُجَج. نقوم بفَحصِهَا ونَقِيسُهَا، ونقوم بتقليبها في رؤوسنا، ثمَّ نَرْفُضُها.

ولكن حينما نتحدث، ببساطة، عن شيءٍ مَا، أو حين نشيرُ إليها عبوراً أو تلميحاً، فإنّ خيالَنَا يبدو حفيّاً ومُرَحِّباً. نحن مستعدون لِقَبُول مَا قِيلَ. أتذكر أنني قرأتُ، منذ ثلاثين سنة، أعمال "مارتين بوبر" Martin Buber، كنتُ أعتبرها كنَوْعِ من القصائد الرائعة. ثمّ حين ذهبتُ إلى "بيونيس إيريس"، قرأتُ هناكَ كتاباً لأحد أصدقائي، "دوخوفني"Dujovne، وهنا اكتشفتُ، ويا لِلْمُفَاجَأة، بأنّ "مارتين بوبر" هو فيلسوفٌ وأنه صاغَ فلسفَتَهُ في كُتُبٍ قرأْتٌهَا على أساس أنها قصائدُ خالِصَةٌ وإذا كانت هذه الكتبُ قد استَمَالَتْنِي، فلأنّ "رسالةَ" هذه الكتب أتَتْنِي عبر طريق الشِّعْرِ، عن طريق الإيحاء والموسيقى الشفهيّة، وليس عن طريق حُجَجٍ. أعتقد أننا نَجِدُ، لدى "والت وايتمان" نفس الفكرة-فكرة أن العقل لا يعرف الإقناع. ألا يُقال في بعض الأماكن بأنّ الليلَ ونجومَهُ أكثرُ إقناعاً من الحجج المسكينة؟ 

تُوجَد موديلات أخرى من المجازات. ولنأخذ مِثَالاً، أقلّ شُيُوعاً من الأمثلة السابقة- وأقلّ شيوعاً من هذه المجازات التي تُشَبِّهُ معركة بحريق. وهكذا نجد في الإلياذة صورة معركة تشتعل مثل حريق. ونفس الفكرة توجد في مقطع "فاينسبورغ"Finnesburg. يحدثنا الشاعر في هذا المقطع عن معركة بين الدانماركيين وبين شعوب جرمانية توجد بين هولندا وغرب ألمانيا محاذية لبحر الشمال، وعن الومضات التي تعكسها الأسلحة والدروع، إلخ.. ويقول الشاعر بأنه كان لدينا الإنطباع بأنّ "فاينسبورغ" بكاملها وكذلك قصر "فاين" Finn توهَّجت في حريق هائل.

إنني تركتُ، بالتأكيد، جانِباً، موديلات شائعة. ولحدّ الآن تطرقنا إلى العيون والنجوم وإلى النساء والأزهار، والزمن والأنهار، والحياة والحلم، والموت والنوم، والنار والمعارك. وإذا كان لدينا مُتَّسَعٌ من الوقت، ومن تَبَحُّرٍ في العِلم ضروريٍّ، فإننا نستطيع تحديد حوالي ستّة موديلات أخرى من المجازات الشائعة في مختلف الآداب.

ولكنّ ما هو مُهِمٌّ، ليس هو كَونُ أنه لا يوجد سوى عدد قليل من الموديلات ومن الثيمات المجازية، وإنَّما كون هذهِ الثيمات تتلاءَمُ مع تنويعات شبه لانِهَائية. إنّ القارئ الذي لديه حساسية للشِّعْر، ولكن الذي لا يبالي إِزَاءَ نظرية الشِّعر، يستَطيعُ أنْ يقْرَأ، مثلا: "أتمنّى أن أكون الليلَ"، ثمّ "وَحْشٌ مُكَوَّنٌ من عُيونٍ" أو "النجوم تنظر من عَلِ"، دون أن يتوقّف ثانيةً واحدة كي يلاحِظَ أنّ هذه المجازات تنتمي لِمُوديل واحد متفرِّد. لو كنتُ مُنَظِّراً جرّيئاً (ولكنّي لستُ سوى منظِّر خجول جدّا، وأتقدّم متلمِّساً)، فأني أستطيع التأكيد بأنه لا يوجد سوى حوالي عشرة موديلات-نماذج وبأنّ كل المجازات الأخرى ليست إلاّ تركيبات وتوافيق اعتباطية. معنى هذا الإعلان أنه من بين "عشرة آلاف شيء" في التحديد الصينيّ الشهير، لا نستطيع أن نكتشف سوى ما يَقْرُبُ إثنا عشر تجانسا أو مُؤالَفة أساسيّة. من البدهيّ أنكم تستطيعون اكتشاف أو اختراع تشابهات أخرى يمكن أن تكون، ببساطة، مُفاجِئَة- ولكنّ المفاجَأَة لا تدوم سوى لحظة.

أُلاَحِظُ أنني نسيتُ مثالا جيدا عن المعادلة بين الحلم والحياة. وما زال ثمة وقتٌ لذكر هذا المثال، الذي أستعيره من الشاعر الأمريكي كومينغس"Cummings. أُقَدِّم لكم الإعتذارات فيما يخصّ البيت الشعريّ الأول، الذي كتبَهُ، بكل تأكيد، رجل شابّ وهو يتحدث مع شباب-لا أستطيع أن أستفيدَ من هذا الامتياز(امتياز أن تكون شابا) وكونيغس" يلعب، هنا، أصول لعب لم يَعُدْ يتَلاَءَمُ مع سِنِّي. ولكن يجب الاستشهاد بالمقطع الشعري في كلّيته. البيت الشعريّ الأول، إذاً، هو: ".وجهُ الإله الرهيبُ، أكثرُ لَمَعاناً مِنْ مِلْعَقَةٍ". وأنا آسف، حقيقةً، من هذه الملعقة، لأننا نحسّ بأن المُؤلِّف كان يفكر، بدايةً، في سيف، وشمعة، وفي الشمس، وفي دِرْع، أو كلّ شيء آخَر يتمّ اعتباره، تاريخياً، لامِعاً، ثمّ قال لنفسه: "لا، على كلّ حالٍ، فأنا إنسانٌ عصريٌّ، إذاً سَأتصدّى لملعقة." فالتَقَطَ ملعقتَهُ. ولكنَّنَا سنُسَامِحُهُ بسبب ما سوف يأتي: "وجهُ الإلهِ الرّهيبُ، أكثرُ لَمَعَاناً مِنْ مِلعقة، تُلخِّصُ صورةَ كلمةٍ قدريّةٍ واحِدةٍ." أعتقدُ أنّ هذا البيت الشعريّ الثاني أَفْضَلُ. وكما قال لي صديقي "مورشيسون" Murchison، فإنّ ملعقةً يمكن أن تجمع كثيراً من الصُّوَرِ. (لم أفكّر فيها، قد كنتُ حائراً بسبب هذه الملعقة- ولم تكن لديّ رغبة كبيرة في أن أُكرِّسَ لها تأملات طويلة.)



وجهُ الإلهِ الرّهيبُ، أكثرُ لَمَعَاناً من ملعقةٍ، 

تُلخِّصُ صورةَ كلمةٍ قدريّةٍ واحِدةٍ،

إلى حدّ أنّ وُجُودِي(الذي يتمَتَّعُ بالشمس وبالقمر)

يُشبِهُ شيئاً لم يُوجَدْ قطّ.



"يشبه شيئاً لم يُوجَدْ قطّ": هذا البيت الشعريّ يتمتع ببساطة غريبة. إنّ "كومينغس"، وأفضل من الشعراء الأكثر شهرة، "شكسبير" أو "والتر فون دير فوجيلوايد"، يُعيدُ لنا هنا الجوهرَ الحالِم للوجود.

وفي المجموع لم أقترح إلاّ نزرا قليلا من الأمثلة. وأنا على يقين بأنكم تملكون في ذاكرتكم قدراً من المجازات التي قمتم بتجميعها، بعناية كبيرة- وبأنكم تمنيتم أن تسمعوني وأنا أستحضرها. وفما يخصّني، فأنا أعرف بأنه بعد محاضرتي سيجتاحُنِي الندم حين سأعرف أنّ كثيراً من المجازات الجميلة غابت عنّي. وبطبيعة الحال فإنّ هذا الشخص أو ذاك من الحضور سينتحي بي جانباً كي يسألني لماذا أغفلتُ هذا المجاز الرائع- فلا أستطيع سوى التمتمة ببعض الاعتذارات. 

وفي اللحظة الراهنة نستطيع المُخاطَرَة بعيداً وذِكْرَ المجازات التي لا تنتمي للموديلات المُكَرَّسَة. ولأنّي تحدثتُ عن القمر، فسوف أذكُرُ مجازا فارسياً قرأتُهُ في كتاب "تاريخ الأدب الفارسي" لِـ"براون" Brown. سنفترضُ أنه يوجد لدى "فريد الدين العطار" أو "عمر الخيام" أو "حافظ" أو أيضا لدى شاعر فارسي كبير آخَر. ومهما يكن هذا الشاعر، فقد سمّى القمر بِـ"مرآة الزمن". ومن وجهة نظر علم الفلك، فإنّ الفكرة التي ترى بأنّ القَمَر هو مرآة تستحقّ ما تستحقّ- ولكن وجهة النظر هذه عديمةُ المنفعة. فأن يكون القمرُ أم لا مرآة ليست له أية أهمية، لأنّ الشِّعر يتوجب عليه أن يتحدّث عن الخيال. فلنتأمّل هذا المجاز إذاً، القمر مرآةُ الزمن. أقول بأنه مجازٌ جميلٌ جِدّا-أولاً لأنّ فكرة المرآة تعبّر جيدا عن وميضِ وهشاشةِ القمر، وثانياً لأنّ فكرة الزمن تجعلنا نكتشفُ بأن هذا القَمَر اللامع جدا الذي ننظر إليه، قديمٌ جدا ومُحمَّلٌ بالشعر وبالأسطورة، وبأنه، أيضاً، قديمٌ قِدَمَ الزمن.

قلتُ للتوّ "قديمٌ قدم الزمن". هذا يدفعني لذكر بيت شعريّ آخَر- وهو بيت يصعدُ، ربما، إلى ذاكرتكم. لا أتذكّر الشاعر، ولكني وجدتُهُ في إحدى كتب "كيبلينغ"Kipling، الأقلّ شهرة، "من البحر إلى البحر" "From Se to Sea". هذا البيت هو: "مدينةٌ ورديّةٌ وحمراءُ، نصف قديمةٍ قِدَمَ الزَّمَن". كان بمستطاع الشاعر أن يكتب: "مدينةٌ ورديّةٌ وحمراءُ قديمةٌ قِدَمَ الزَّمَن"، ولكن هذا ما كان ليُعطي شيئاً. ولكنّ "نصف قديمة قِدَم الزَّمَن" تُدخِلُ نوعاً من التحديد السحريّ، يمكن مقارنَتُهُ بالتحديد الموجود في الصيغة الغريبة ولكن الرائجة في اللغة الإنجليزية: "أحبك إلى الأبد ويوم". "إلى الأبد" تعيّن وقتا طويلا، ولكنها من المبالغة في التجريد بحيث لا تتحدث إلى الخيال.

الحيلة الثانية(ولتسامحوني على استخدام هذه الكلمة) تُوجَد في عنوان كتاب شهير "ألف ليلة وليلة". لأنّ "ألف ليلة" تعني ليالٍ عديدة، تحديداً كما تعني كلمة "أربعون" عددا كبيراً في لغة القرن السابع عشر. كتب شكسبير: "حين سيضربُ أربعون خريفا جبهَتَكَ". وأفكر أيضا في تعبير إنجليزي رائج، "أربعون غمزة" التي تدلّ على القيلولة. إذا فلدينا "ألف ليلة وليلة" كما أنه لدينا "المدينةُ الوردية والحمراء" والتحديد الغريب "نصف قديمة قدم الزمن"- وهو، بطبيعة الحال، التحديد الذي يبدو أنه يُمدِّدُ، إذا جاز القول، مُدَّةَ الزَّمَن. 

أعزّائي الأنجلوساكسونيين الذي أعود إليهم(وهو شيء يبدو لكم ضروريا)، يساعدونَنَا على فحص مجازات بعيدة عن الطرق المطروقة. أتذكَّرُ عبارةً وهي كناية تعبّر عن البحر بهذه الطريقة: "طريق الحيتان". أتساءل إذا ما كان هذا الساكسوني المجهول الذي صاغ هذه الكناية كان يعرف في أي نقطة يتواجَدُ فيها. أنا أتساءلُ حول ما إذا كان لديه الإحساس(ولو أنّ هذه النقطة لا تَهُمُّنَا) بأنّ كِبَرَ وسَعَة الحوت يُحِيلُ إلى شساعة البحر وكبره. 

وها هو مجازٌ آخَر، أسكندنافي هذه المرة، بخصوص الدم. الكناية الأقرب للتعبير عن الدم هي "ماء الأفعى". في هذا المجاز تجدون فكرةً (حاضرة أيضا لدى الساكسونيين) وهي أنّ السيفَ كائِنٌ مُؤْذٍ، كائِنٌ يشربُ دَمَ الرجال كَمَا لَوْ كان ماءً. 

من بين مجازات المعارك، تُوجَد بعض المجازات العادية- مثلاً "لقاء الرجال". بالرغم من أنه توجد هنا فكرة ذات أهميّة: فكرة التقاء الرجال كي يَتَقَاتَلُوا(كما لو أنّ لقاء من نوع آخَر لا يمكن تصوره). توجد مجازات أخرى: "تلاقي السيوف"، "رقصة السيوف"، "صدمة الدروع"، "صدمة الخوذات". وكلها موجودةٌ في (نشيد "برونانبوهر"Brunanbuhr البحريّ). وها هو مجازٌ جميلٌ: "لِقَاءُ غَضَبٍ". إنّ ما يعطي القوَّةَ لهذا المجاز، هو أنّ تعبيرَ "اللقاء" يوحي لنا بالرِفَاقيّة والصداقة، وأنّ اتحاد الكلمات يُشَكِّلُ مُفَارَقَةً: لقاءُ غَضَبٍ.

ولكنّ هذه المجازات، كما يمكن القول، لا تُشَكِّلُ شيئاً إذا لم نُقارِنْهَا بمجاز أسكندنافي جميل جدا(يوجد أيضا في اللغة الإيرلندية). إنه الإشارة إلى المعركة كَـ"نسيج الرّجال". إنّ كلمة نسيج توجد هنا في مكانها، بصفة تثير الإعجاب، لأنها تتطرّق إلى شكل معركة قروسطية(من القرون الوسطى): السيوفُ والدُّرُوعُ وتصادُمُهَا. تَنْضَافُ إلى هذا إشارةٌ كابوسية، إيحاءُ نسيجٍ مُكَوَّن من كائنات بشريّة. "نسيجُ رِجَالٍ" يموتون ويَتَقاتَلُون.

وبصفة مفاجئة يأتي إلى ذهني مجاز لِـ"كونكورا"Gongora يُذكِّرُ بِـ"نسيج الرِّجَال". إنه يتحدث عن مسافر وَصَل إلى "قرية بربريّة(متوحِّشَة)". وهكذا تَنْسِجُ هذه القرية أو تَجْدِلُ حولَهُ "حَبْلاً من كِلابٍ". 



مِثْلَ حَبْلِ كلابٍ،

الذي تَنْسِجُهُ عَادَةً

قريةٌ بربريّةٌ

حَوْلَ الغريبِ.





وهكذا، وبغرابة، نجِدُ أمامَنَا نفسَ الصورة: فكرة حَبْلٍ أو نسيج مصنوع من كائنات حيّة. غير أنه، في هذه الحالة حيث يبدو أنه يوجد فيها تَرَادُفٌ، يبدو الاختلافُ بعيداً عن أن يكون غَيْرَ ذِي بَالٍ. حبل كِلاَبٍ، هو تصوُّرٌ مُسْتَهْجَنٌ وبذيءٌ، بينما نَسيجُ الرِّجَال هو واقعٌ رَهيبٌ ومُرِيعٌ.

وكي أُنْهِي مُحاضَرَتي، فسوف أستعير مجازاً- هو ربّما مُقَارَنَة، ولكنّي لستُ أستاذاً وهذا التمييز(الأستاذية) لا يشغلني- من شاعرٍ منسيٍّ اليومَ، في "بيرون"Byron. يتعلّق الأمر بقصيدةٍ قرأتُهَا أيَّامَ مُراهَقَتِي(يمكن أن تكونوا قرأتُمُوهَا، جميعاً، في وقت مبكّر). ولكن فقط منذ يومين أو ثلاثة أيام اكتشفتُ، بِصفة مُفاجِئَة، بأنّ المجاز موضوع الدراسة هنا بَالِغَ التعقيد. ولم أَكُنْ أبداً، وَلِحَدِّ الساعة، قد اعتبرتُ "بيرون"Byron كمؤلِّفٍ مُعَقَّد بصفة خاصّة. إنها كلماتٌ تعرفونَهَا جميعاً: "هِيَ تتقدّمُ بِشكلٍ رائِعٍ، مِثْلَ الليل."بيت شعريّ من الروعة بحيث يبدو لنا الأمرُ بَدَهِيّاً. فيأتينا الاعتقاد "أنّنا كنا نستطيع كتابَتَهُ ، لو أننا تحمَّلْنَا مَشَاقَّ ذلك." ولكنّ "بيرون" Byron وحدَهُ تحمَّلَ عناء كتابَتِهِ.

أَصِلُ إلى التعقيد الخفيّ والسريّ لهذا البيت الشعريّ. وعلى أيٍّ، فأنا لا أُشكِّكُ في أنكم اكتشفتُمْ ما سوف أكشفه لكم(أَلَيْسَ هَذَا دائماً ما يحدُثُ حين يتمّ إعلامنا بوجود مفاجأة أو حين نقرأُ رواية بوليسية؟). "هي تتقدَّمُ بِشَكْلٍ رائِعٍ، مِثْلَ الليلِ.": فأوّلاً، نحنُ أمام امرأة فاتنة، ثم نَعْلَمُ أنها تتمشَّى. "بشكلٍ رَائِعٍ"، ، وهو مَا يُذكِّرُنَا بالتعبير الفرنسيّ، حين نقول لامرأة: "أنتِ تَبْدِينَ جميلةً أكثَرَ من العادة"، هذه المرأة، هذه السيّدة الفاتنة يتمّ مقارَنَتُهَا بالليل. ولكن، ودون شك، وكي نفْهَمَ هذا البيت الشعريّ، فعلَيْنَا أن نُفَكِّرَ في الليل كامرأة. وإلاّ فإنّ البيتَ الشِعريَّ يفْقِدُ معنَاهُ. وهكذا فإننا نتوفّر في هذه الكلمات البسيطة جدا على مجاز مُزدَوِج: مقارنة المرأة بالليل، ولكن أيضا الليل مُقَارَناً بالمرأة. أنا لا أعرف، وهذا لا يهمّ، إن كان "بيرون" Byron قد تفطَّن لِهَذَا. أعتقدُ أنّ هذا البيتَ الشعريّ لن يكون بهذه الجَودة، لو أنّ الشاعر تفطَّن لِهَذا. وربما، وقبل أن يموت، يكون، في الحقيقة، قد فهِمَهُ أو أنَّ شخْصاً مَا قد لَفتَ انتباهه حول هذه النقطة.

ما هي، إذاً، الخلاصات التي نستطيع أن نقدِّمَها في نهاية هذه المحاضرة؟ أرى خُلاَصَتَيْن رئيسيَتَيْن. الأولى، وهي أنه، بالتأكيد، حتى لو استطعنا العثور على مئات أو على آلاف المجازات، فإنه يمكن اختزالُهَا، في مجموعها، إلى عدد قليل من الموديلات أو من الموتيفات البسيطة. وهذا ما كان ليُحزِنَنَا أو يُؤثِّرَ فينا، لأنّ كلَّ مجاز مختلفٌ؛ فكلّ مرة استوحينا فيها موديلاً، فإننا نقوم بتنويع مختلف. والخلاصة الثانية، هي أنه توجد بعض المجازات-مثلاً، "نسيج الرّجال"، "طريق الحيتان"- التي لا تنتمي لِموديلاتٍ مُحدَّدَة بشكل واضح.

لهذا السبب فأنا أعتقد، حتى بعد الانتهاء من محاضرتي، بأنّ الآفاق والمنظورات التي تنفتح أمام المجاز، هي بالأحرى جيدةٌ. وفي الواقع، إذا ما رغبنا في هذا، فإنّه من الجائز والمُبَاح لنا أن نَبْذُلَ قُصَارَى جُهُودِنَا لاقتراح تنويعات جديدة على الثيمات الكبيرة. إن هذه التنويعات يمكن أن تكون جميلة جدا، ووحدها الانتقادات النادرة، من نوع انتقاداتي، من يأخذ عِبْءَ مُعَارَضَتِها: "في هذه النقطة، نجد من جديد العيون والنجوم، وهنا نجد مرّة أخرى الزمن والنَّهْر..." إنّ المجازات تُلْفِتُ انتباه الخيال بشكل دائم. ولكننا نستطيع أيضاً امتلاك حظّ اختراع- ولماذا نَحْرِمُ أنفسَنَا من هذا الأمل؟- أقول اختراع مجازات جديدة لا تنضوي تحت لواء الأصناف المعروفة. غير المعروفة في هذه اللحظة على الأقلّ. 



----- 

* كاتب مغربي مقيم في فرنسا


مجلة المهاجر

السيد الأستاذ /فتحى حسان محمد... بين الواقع والمأمول

(1)

ما أكثر كتاباتى عن الحرية ودورها المتنامى فى تحرير الإنسان من عسف السلطة وطغيان الطغاة .
أخذت العهد على نفسى ..أن أعيش حراً ولا أحنى الرأس إلا لخالقى .ولا أخضع إلا لما يمليه علىّ ضميرى .
وعقدت العزم أن أصبر على من يحاول أن ينال من فهمى ويتهم قناعاتى الفكرية والعقلية ،وألتمس له العذر مرةً بعد مرةٍ ،فإن لم يرتدع ..كان لى الحق فى ردعه وإثبات خطله وتجاوزه .
هكذا أنا منذ وعيت الدنيا .

(2)
السيد الأستاذ/فتحى حسان محمد ..من أعضاء الملتقى الذين أكن لهم جميعاً وبلا إستثناء كل تقدير وتبجيل .
السيد الأستاذ/فتحى حسان محمد.. من أغزر أعضاء الملتقى كتابةً، وما أكثر مواضيعه المتعددة فى بحوث القصة ..واتسعت صفحات الملتقى لتضم كل بحوثه دون قيد أو شرط.
لكن السيد الأستاذ/فتحى حسان محمد ...وهو يمتلك مهارة الحديث والإسترسال فى الكتابة ..ويعترى أسلوبه هنات لغوية وصرفية وحدته فى القول وخشونته فى التعامل..حاولت أن أنبهه أكثر من مرة ،لكنه يُغمض العين عنها ولايلق لها بالاً.
قرأتُ له وكما أقرأ لأعضاء الملتقى ..واضعاً أمام ناظرى أننى ضيف على فروع الأدب ،أجتهد فى التثقيف وأنثر بعض تعليقاتى هنا وهناك ..فلستُ من أهل الإختصاص ولا أزعم ذلك ..مهما طال العمر وامتد.

(3)
فى بعض المواضيع ..يسترسل السيد الأستاذ /فتحى حسان محمد ،وينجرف بألفاظه نحو النيل من القارئين له ..وأعلم علم اليقين أنه لايحمل إساءة أو تطاول على أحد ٍ،إنما هى الحدة فى الرد والقسوة فى التعبير ..فهو يرى نفسه أهلاً للتقدير والإشادة والتبجيل.. وهذا حقه لامراء فيه،وأنه قد أتى بما لم يأت به السابقون ..وأيضاً هذا حقه لاشك فيه.
إنما أن يطلب من الآخرين ..أن يُسايروه فيما يظن، فهذا هو المحال بعينه.

قرأتُ وأقرأ كل يوم ما أجده يتفق وسليقتى الأدبية ،وأجتهد فى التعقيب عليه ..ربما أصبتُ القول وربما أخطأتُ ..ويبقى لى فى آخر المطاف، شرف المحاولة .

(4)
السيد الأستاذ /فتحى حسان محمد ..يكتب وكما قلت "غزير الإنتاج.".لكن إحتكاكه بالآخرين والزج بهم فى تأويلات مزعومة وأقوال موهومة .. هو خلط لاينبغى أن يصدر منه تحت أى مسمى ..فالحرص واجب والتأنى أوجب .

كتبتُ تعليقاً على ماكتبته الأستاذة /أحلام الحلوانى ..عن ""قصة موسى بين النقل والتأويل ""..أشدتُ فيه بالجهد المبذول والتثبيت لهذا الموضوع ، إذ رأيتُ فيه ..صدق التناول وقوة التعبير ورصانة الفكر وشساعة الثقافة وسلاسة اللغة وروعة الأسلوب.
لكن السيد الأستاذ /فتحى حسان محمد ..لقننى دروساً فى أدب الحوار ..ما رأيتُ مثلها من قبل ..بل تجاوز فى نصحى.. وكأنى به ممسك بعصا غليظة ،يحاول أن يعلمنى ..كيف أتكلم ومتى أقول . 

لستُ كبيراً على التعلم.. فأنا أتعلم كل يوم..إنما أنعى اللغة المذمومة وطريقة الحديث المرفوضة .. شكلاً وموضوعاً..واتهامى بلادليل بالقصور فى الفهم وطرحى السنة المطهرة ..ووضعى فى خانة الإتهام لإنكارى السنة المطهرة والزج بى مع رافضيها .وعلامات الإستفهام التى ضاقت بها الصفحة .وأننى مجامل والأولى بى النقد ..إلخ ما جاء بكلامه المرفوض ..شكلاً وموضوعاً.

(5)
السيد الأستاذ/فتحى حسان محمد ..يكتب وله الحق كل الحق فى الكتابة ..وطرح ما يراه صواباً..إنما لابد من البعد عن النيل من الآخرين والترصد لهم والحط من فهمهم . 
فمن ظن أنه علم فقد جهل .
ومن ظن أنه أتى بما لم يأت به السابقون ..فهو واهمٌ.
ومن جعل الغرور له مركباً، فقد ضل سواء السبيل .
.

أولاد حارتنا ...والدكتور /أحمد الليثى

هذه السطور المتواضعة هى تعليق وليست دراسة بالمفهوم الأكاديمى ،حاولت فيها أن أدلى بدلوى فى محيط النقد الأدبى الزاخر ،كتبتها فى شهر فبراير سنة 2006ونشرت فى موقع الوراق،ثم نُشرت فى جريدة مصرية ثم بمجلة أدبية .

نظرأً لما أثاره أخى الدكتور/ أحمد الليثى ،فى ثلاثيته عن الرئيس /جمال عبدالناصر ،وتطرقه إلى نجيب محفوظ ورواية أولاد حارتنا ،تذكرتُ هذه السطور ، أهديها لشخصه الكريم علّها تنال بعض القبول.



1--حارتنا العجيبة ذات الأحدا ث العجيبة 00 

ترددت كثيرا وكثيرا جدا ، فى المشاركة فى هذا الملف الرائد ، عن رائعة الأديب العالمى نجيب محفوظ ((أولاد حارتنا ))إذ أنها الوحيدة والمتفردة من بين أعماله التى أصابها وابل من النقد الجاد والنقد المغرض ، وكانت الأحكام تلقى جزافا دون روية وبلا أدنى إمساك بتلابيب أبسط مبادىء النقد الأدبى والثقافى ، بل بلغ السيل الزبى أن رماها بكل نقيصة ، كل من سمع عنها ولم يقرأها ، ولم أنس أن الشيخ كشك صاحب الأشرطة العديدة والخطيب الشهير، رحمنا الله وإياه ، قد دخل المعركة المحفوظية ، لاعنا وشاتما ومهاجما ببشاعة وتحقير ، هذا العمل الفذ ، على الأقل من وجهة نظرى المتواضعة ، والذى صار حديث الساعة ، وهل تتطبع بمصر أما تظل خارج أعمال نجيب محفوظ ، المطبوعة والمتداولة بمصر ، لقد قرأتها مطبوعة عن دار الآداب _ببيروت_ ويقينى أن قراءة العمل الأدبى ينبغى أن تتسع دائرته إتساعا شاملا بالظروف التى إنبثق فيه العمل الأدبى ، فى محيطها ، سياسيا وإجتماعيا وثقافيا وإقتصاديا وأى ظروف أخرى محيطة بالوطن ، هذا على المستوى القطرى ،وأيضا على المستوى الدولى 00فكل عمل إبداعى أيا كان له خلفية يرتكن عليها ويتوكأ على معطاياتها 0ولابد أن يوضع ، فى الحسبان ، هذه الظروف مجتمعة 00000حتى يصدر الحكم وفقا للمعايير النقدية والجمالية والفنية ، وليس نتيجة هوى أو موقف مسبق أو تعنت مرفوض أو جهل سقيم 0وعلينا أن نكون منصفين لأنفسنا أولا ، فلا ننجرف وراء المهاترات أو نتوه وسط الزوابع والعواصف والإبتزاز الفكرى والمقولات الفاسدة والنباح الكريه وليكن الرأى والرأى الآخر ،هما الدعامتان الذين نستند عليهما ، ولنقدس فقه الإختلاف ، فلكل من رأيه وذوقه ، دون إصدار أحكام قاطعة ، فرأىَ خطأ يحتمل الصواب ورأى غيرَى صواب يحتمل الخطأ 0هذا ما نشأنا عليه وسرنا به مسيرة حياتنا 0000هذه إفتتاحية أحرص عليها ، موضحا ومركزا ، آملا وفى القريب جدا أ ن أطرح وجهة نظرى فى هذا العمل الإبداعى الروائى الشامخ 0وشكرا لمن حفًزنى للكتابة0


2-شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا 

و يبدأ نجيب محفوظ ، رائعته {أولاد حارتنا}

((((((هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق 0 لم أشهد من واقعها إلاطوره الأخير الذى عاصرته ،ولكنى سجلتها جميعا كما يرويها الرواة وما أكثرهم 0جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات ،يرويها كل كما يسمعها فى قهوة حَيه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال ،ولاسند لى فيما كتبت إلا هذه المصادر 0وما أكثر المناسبات التى تدعو إلى ترديد الحكايات ))))))

أنهى نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة عام 1952،وظل صامتا ، يرقب الأحداث فى مصر المحروسة وإندلاع ما تم التعارف عليه بثورة يوليو 1952بقيادة الضباط الأحرار وعلى رأ سهم اللواء /محمد نجيب ،وخروج الملك فاروق وتنازله عن العرش لولى عهده الأمير أحمد فؤاد ، ومابين عامى 1952و1957وقعت أحداث جسام وأخطاء فادحة وخطايا القمع والتعذيب والحكم الدكتاتورى والبطش والإستبداد والمحاكمات العسكرية الظالمة والقهر الفكرى والثقافى،وإنجازاتها المتعددة فى مجال الإصلاح الزراعى والصناعى والتعليمى 00إلخ
وبدأ نجيب محفوظ وهو العين الناقدة والفاحصة والمتأملة وهو العقل المتوقد والذهن الجبار ، بدأ يرصد المتغيرات والإنقلابات ولم يكن بعيدا عنها بل عائشا فى خضمها وكما أكد فى الإفتتاحية ، معاصرا لها 0وفى عام 1959ومحمد حسنين هيكل يعتلى رئاسة جريدة الأهرام والأشهر عربيا وعالميا ، ومحمد حسنين هيكل المقَرب من الزعيم / جمال عبدالناصر وصديقه وموطن سره ومحط ثقته والصحفى الشهير ومقالاته المعنونة {بصراحة } والتى تذاع فى الراديو 0قام آنذاك بنشر رواية أولاد حارتنا ، مسلسلة ، وهنا قامت القيامة وهبت العواصف وأمتلأ الجو غيوما وضبابا وأعلنت الحرب الفكرية الشعواء على الرواية وكاتبها الكافر والزنديق والملعون ، والمطالبة بوقفها فورا ، وبمكانة هيكل لدى عبدالناصر إنتزع منه القرار بالإستمرار فى النشر ، ويقال أن المندوب الشخصى لعبدالناصر ، حسن صبرى الخولى ، إتفق مع نجيب محفوظ ، بعدم طبع الرواية بمصر ، ,وأن تطبع خارجها ، و أخيرا أكد نجيب محفوظ هذا الإتفاق 00000000000000000000ويستطرد نجيب محفوظ فى الإفتتاحية ص7 {شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا ،وعاصرت الأحداث التى دفع بها إلى الوجود "عرفة"إبن حارتنا البار ، وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل فى تسجيل حكايات حارتنا على يدى ،إذ قال يوما :"إنك من القلة التى تعرف الكتابة ، فلماذا لاتكتب حكايات حارتنا ?000""ويسترسل قائلا :وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفة فى حارتنا 000000000""ثم يتابع :"فإننى لاأكتب عن نفسى ولاعن متاعبى ،وما أهون متاعبى إذا قيست بمتاعب حارتنا 0حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة 0كيف وجدت ?وماذا كان من أمرها ،ومن هم أولاد حارتنا?



3- أولاد حارتنا بين الثورة والإحباط 

لم يكن نجيب محفوظ إلا ناقدا لواقع عايشه ، وأمسى يصحو وينام على تغيرات الثورة ، وإنفراد مجموعة الضباط الأحرار بمقاليد السياسة والحكم ، وتمكن عبد الناصر من الإطاحة بكل رأس تناطح رأ سه ، وإقدامه على تأميم قناة السويس وما تلى ذلك من عدوان ثلاثى واحتلال سيناء وا شتعال الحرب وتدخل القوتان العظمييان آنذاك موسكو ووا شنطن ، والخروج المذل والمهين لقوات العدوان الغاشم وتحرر سيناء ومازالت صورة عبدالناصر وهو يعتلى المنبر ويخطب بالجامع الأزهر بالقاهرة ، والقلوب والحناجر تهتف وتحيط به ، صورة صعب نسيانها ، وصعود نجم عبدالناصر والذين معه صعودا ملك بعدها قلوب الشعب وعقولهم ، بل لا أكون مبالغا إذا قلت أنه صار الحاكم الآمر الناهى لامرد لقضائه ، وأثرى الضباط الأحرار ثراءا فاحشا وهيمنوا هيمنة كاملة على البلاد والعباد ، وأصبح منهم الوزراء والمحافظون والكتاب والساسة 0

والشعب سكران بنشوة الإنتصارات وتحقيق الأحلام والسعى نحو إقامة مجتمع تذوب فيه الفوارق الطبقية وإقامة العدالة الإجتماعية وتحالف قوى الشعب العاملة 0وما أشبه الليلة بالبارحة 0فالشعب يئن ويئن ويئن ، وكأنك ياأبو زيد ماغزيت 0والسلطات والقيادات والمتعة والوجاهة والمجد للضباط الأحرار والذين معهم ، والقبض والسحل والسجون والمعتقلات والتعذيب للمفكرين والمثقفين وأبناء الشعب المخلصين الذين يطالبون بالحد الأدنى من الحياة الإنسانية المتواضعة ،ودخل الشيوعيون والأخوان المسلمون والمعارضون لتوجهات الحكم السجون وطوردوا وعذبوا وإنتهكوا بدنيا وعقليا ونفسيا ، بل التصفية الجسدية إن أمكن ، والمحاكمات العسكرية العاجلة ، ولا أنسى الحكم البشع على خميس والبقرى بالإعدام ، وسبب ذلك مطالبهم المتواضعة فى حياة كريمة وهما العاملان بإحدى الشركات بكفر الدوار ، وهذا بالتأكيد إنذار مخيف وقاس وبشع وحقير ومرعب ، فالصمت الصمت الصمت 000

وفى هذا السياق التا ريخى لتلك الحقبة المرة والمريرة فى حياة مصر المحروسة وسقوط الأمل فى حفرة اليأس 0سجًل وبكل أمانة ودقة ، نجيب محفوظ هذه التداعيات المريعة التى أصابت الوطن والناس فى مقتل0 
(((((ومع ذلك فلم تعرف حارة حدة الخصام كما عرفناها ،ولا فرًق بين أبنائها النزاع كما فرق بيننا ،ونظير كل ساع إلى الخير نجد عشر فتوات يلوحون بالنبابيت ويدعون إلى القتال 0حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالأتاوة ، والأمن بالخضوع والمهانة ، ولاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة فى القول أو الفعل بل للخاطرة تخطر فيشى بها الوجه 0وأعجب شىء أن الناس فى الحارات القريبة منا كالعطوف وكفر الزغارى والدرا سة والحيسنية يحسدوننا على أوقاف حارتنا ورجالنا الأشداء ، فيقولون حارة منيعة وأوقاف تدر الخيرات وفتوات لا يغلبون 0كل هذا حق ، ولكنهم لايعلمون أننا بتنا من الفقر كالمتسولين ، نعيش فى القاذورات بين الذباب والقمل ، نقنع بالفتات ، ونسعى بأجساد شبه عارية )))))))))ص7،6من الرواية 00000000000000وللحديث بقية


4-أولاد حارتنا بين الشكل والمضمون 

فى المقالات السابقة ، حاولت وبإيجاز شديد ، أن أطرح وجهة نظرى المتواضعة ، والظروف الإجتماعية والسياسية سواء التى تجرى بالوطن أوالتحولات السائدة بدول العالم ككل ، بإعتبار أن السياق التاريخى للعمل الإبداعى لابد من وضعه فى الحسبان ، فلاشىء يأتى من عدم وإنما من واقع معايش ووجود نحياه بخيره وشره ، ويهمنى أن أ ستهل البداية ، للولوج داخل العمل الإبداعى ومضمونه والشكل الفنى الذى يرتكن عليه ولاأنسى مستويات التلقى للعمل الإبداعى والتراكم المعرفى والفكرى لكل متلق وقارئ، وكيف تشكل رؤيته ورأيه ومنهجه فى الحكم على المبدع وإبداعاته 000وبالتالى هناك مستويات متعددة للتلقى ، والعمل الإبداعى أكبر من أن ينحصر فى رأى واحد ، ويحكمنا المنطق النقدى الصارم فى إظهار جمالياته ومثالبه ونقده 0والنأى بالعقل عن الفوضى والترهل والورم الفكرى المنغلق والمحدود الأفق والضيق االمدارك 0
إن العقل أشر ف وأجلً من أن يسقط فى حمئة العفن والسباب واللعن والقذف 0000

وأبدأ وبإختصار الحديث عن (أولاد حارتنا) فهى رواية تقع فى 552صفحة من القطع الكبير ، تشمل إفتتاحية وخمس حكايات {{ أدهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة }}}بعدد 114فقرة 0 وأوضح أكثر ، أن نجيب محفوظ وبعد إنتهائه من عمله الضخم "الثلاثية 0بين القصرين ،قصر الشوق ، السكرية "بإعتبارها من روائع روايات الأجيال على المستوى العالمى 0وصمته فترة طويلة ، ثم بدأ كتابة أولاد حارتنا ، على شكل حكايات ، فالسردية لدى نجيب محفوظ ، خيط متصل الأوصال ،متشابك المواضيع ، مترابط النسيج 0بلاغة لغوية ساحرة وألفاظ منتقاة بعناية وعذوبة غامرة 
0000

وتبدأ الحكاية الأولى (((أدهم ))) 

{{{ كان مكان حارتنا خلاء 0فهو إمتداد لصحراء المقطم الذى يربض فى الأفق 0ولم يكن بالخلاء من قائم إلا البيت الكبير الذى شيده الجبلاوى كأنما لتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطرق 0كان سوره الكبير العالى يتحلق مساحة وا سعة ، نصفها الغربى حديقة ، والشرقى مسكن مكون من أدوار ثلاثة 0ويوما دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتانى المتصل بسلاملك الحديقة 0وجاء الأبناء جميعا ، إدريس وعباس ورضوان وجليل وأدهم ، فى جلابيبهم الحريرية ، فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لايكادون ينظرون نحوه إلأا خلسة ، وأمرهم بالجلوس فجلسوا على المقاعد من حوله 0000000}}}}}

هكذا بدأت الحكاية واثناء الإجتماع أصدر الواقف قرارا خطيرا بإختياره أدهم لإدارة الوقف تحت إشرافه ، وتبودلت النظرات بين الأخوة تعكس مشاعر متابينة ، ودارى البعض مشاعره ، إلا إدريس إنفجر فى وجه أبيه غاضبا ، ولكننى الأخ الأكبر 0000000000ولكن الأب لم يبال ، وأكد أنه راعى فى إختياره مصلحة الجميع 0000ويبدأ الصراع الإنسانى الأبدى بين من يستحق ومن لايستحق ، بين العدل والظلم ، بين الخير والشر ، بين الكبير والصغير ، ويتحمل أدهم المسؤلية فى إدارة الوقف بكل همة ونشاط 0000وتنفجربأعماق إدريس أحط الإنفعالات وأ سوأها ، ويسلك السلوك المشين دون تعقل ، بل يهاجم وبضراوة والده الذى طرده من البيت شر طردة لخروجه على الناموس الأبدى ، إحترام الأب وتوقيره وتبجيله والإنحناء له والإحسان به 00000

الوقوع فى دائرة السحر "الف ليلة وليلة "

(1)

ألف ليلة وليلة 

أعنى كتاب ألف ليلة وليلة 

يُدعى عموماً :أسمار الليالى للعرب ممايتضمن الفكاهة ويورث الطرب .

قد طبعه كاملاً مكملاً

وليم حي مكناطن

سكرتير الدولة الإنجليزية فى الممالك الهندية
لندن 1840م



من الروائع الخالدة التى عشنا عليها ،كنا صغاراً ونحبو فى مدينة العلم والأدب ونلتمس المتعة والخيال الجامح فى ألف ليلة وليلة ونهيم مع شهر زاد فى قصصها الخالدة .

كنا صغاراً نعدو وراء البائع المتجول فى القرى والنجوع ونعطيه بعض كيزان الأذرة أو حبات البطاطس أو البطاطا ،أو ربعة من شعير الأرز أو القمح ..ويعطينا بدلاً مما أعطيناه كتيبات صغيرة عن بعض قصص ألف ليلة وليلة .ونعشق شهرزاد ونشفق عليها بقلوب ملتاعة ودموع سخينة وحرصها على النجاة من مصير القتل .
كان شهريار مثالاً للملك القاسى لاقلب له ولاروح ،فكأن قلبه قدّمن حجر صوان.

كنا نجلس أطفال الشارع ويقرأ أحدنا ونستمع له ويعترينا النشيج والأحزان والأسى ونخاف على شهر زاد أن تنتهى حكاياتها ثم يقتلها الملك الشرير .

أحببتُ شهرزاد وصار خوفى عليها يتزايد بمرور السنين .

أحببت النساء وتعلقت بهن وخفت عليهن من رجال قساة ميتى القلب .
ولم تكن هذه الحكايات إلا جزءاً يسيراً مع حكايات جدتى التى ترويها لنا أنا وأخى الصغير وابن عم أبى ..كنا لاننام إلا على أنغام صوتها الحنون وهى تحكى عن ست الحسن والجمال والشاطر حسن وحكايات لاتنتهى ومعين لاينضب .

ومرت الأيام والسنون ،وكان الراديو أو المذياع كما أراد اللغويون الوسيلة الأشهر فى نشر مسلسل ألف ليلة وليلة وموسيقاه التى عشقتها والمقتطعة من متتالية شهر زاد للموسيقار الروسى العظيم ريمسكى كورساكوف ..والذى دفعتنى موسيقاه إلى تعلم العزف على البيانو فى سنواتى الخضراء .

ما إن يأتى الشهر الفضيل رمضان إلا ونستمع بلهفة وشوق إلى مسلسل ألف ليلة وليلة وتنتهى الحلقة وننام ونصحو فى انتظار الحلقات الأخرى وما تسفر عنه الأحداث 

(2)


ومرت بى السنون ،وتدفقت فىّ ثقافات متنوعة وأفكار كثيرة وأخذتنى القراءة من عوالم الصبية ،لعب الكرة أو السهر فى أحاديث صبيانية لاتسمن ولاتغنى من جوع أو حب بنت الجيران ،إلى عوالم الدهشة وسماوات الخيال وروعة العشق ودموع العاشقين وأشعار الخالدين ونثر المنفلوطى الفخيم .

وأنام وأصحو على كتاب أبحث عنه فى مكتبة والدى التى لم يجد لها مكاناً وبعيداً عن الأيدى الجاهلة بقيمتها إلا فى حضير على السطوح ،وهى غرفة مبنية من الخشب والطين ، فكم قرأت منها من مجلات أدبية رصينة كالرسالة ومختارات البارودى وأشعاره وشوقى وحافظ والنواسى وفقه الشافعية والأم وبعض أعداد كتب للجميع وتفسير النسفى وابن عباس وتفاسير أخرى وكتابات محمد عبده ...وكتب طه حسين والعقاد والمازنى ..ومجلدين من حكايات الف ليلة وليلة ..عشت فى دنيا غير الدنيا وعالم غير العالم ..وحصدت ثقافات لاحصر لها وتاه العقل فى ثقافات كثيرة ودراسات وأبحاث ابن عم والدى الدكتور المرحوم /محمد الدسوقى النويهى وصديقه الحميم والذى ظل بعد وفاته فى 1980م يتحدث عنه وعن كتاباته وأبحاثه حديث الخبير ،حتى وفاته فى 1990م.

وعشقت حكايات شهر زاد وتألمت معها وكنت أشفق عليها ونضوب حكاياها وتعرضها للموت ..لكن الحياة جديرة بأن تعاش ،فكانت شهر زاد أول من علمنى حب الحياة والحرص عليها والصبر على المكاره من أى صنف ونوع.
وتظل أذنى تستمع حكايات ألف ليلة وليلة من الراديو وصياح الديك وتثاؤب الممثلة البارعة التى نسيت اسمها وهى تقول:
مولاى ...

(3)



ويمتد بى العمر وتنقضى سنوات طويلة وتأخذنى الحياة وتصبح كتب القوانين وأبحاثها هى الهم الأكبر، ولكن لا أنسى كتبى ومكتبتى الأدبية ومتابعة المرور على المكتبات .

وفى عام 1986م عثرت على كتاب هو "الوقوع فى دائرة السحر ..ألف ليلة وليلة فى نظرية الأدب الإنجليزى للدكتور /محسن جاسم الموسوى ..طبعة وزارة الثقافة والإعلام العراقية .

ما أعظم وما أروع هذا البلد العظيم .عراق روحى .وبغداد قلبى وبصرة عقلى .


كانت الإصدارات الكثيرة والمجلات الرصينة والكتب المترجمة والأبحاث الأدبية والفكرية هى الزاد لكل طالب أدب وعلم .

الأقلام والمورد والأدب الشعبى والموسوعة الصغيرة .......بقروش معدودة تجمع آداباً وأفكاراً لاتقدر بمال . 



وأنتظر هذه الإصدارات بشوق واشتياق ولهفة ..ولا أنسى العم المظلوم الدكتور النويهى وهو يتحدث عن العراق حديث العاشق الولهان ..بل كان شقيقى الذى يلينى "أنور "من عشاق العراق وعاش فيها سنوات طويلة ،وله فيها ذكريات لاتموت .

شاهد بعينه الحرب العراقية الإيرانية ثم عاد إلى مصر ولم يستقر له بال فعاود السفر إلى العراق وشاهد وعاش مأساة الحصار ..وبكينا معاً يوم سقطت بغداد فى أيدى الغاصبين ،لعنة الله عليهم وحرر عراقنا من هذه النجاسة وطهرها منها ،وأصبت بنوبة قلبية حادة دخلت على إثرها العناية الفائقة والتى مازال تأثيرها ينخر فى صدرى حتى اللحظة ورغم تركيب دعامات وتوسيع لبعض الشرايين .

أقرأ كتاب النابغة الدكتور الموسوى ورغم وقوعى فى السحر منذ شببت عن الطوق ،إلا أنه زادنى وقوعاً وهياماً وعشقاً..فعاودت القراءة من جديد للرواية الأم سيدة الروايات والحكايات على مر الزمن .

وخرجت ابنتى بسمة إلى الدنيا ..وفى حبوها ..عبثت بمكتبى ولها صورة نادرة وهى فى السنة الأولى من عمرها ،تجلس أمام الكتب المرصوصة على الأرض بجوار المكتبة التى ضاقت عن حملها .

وكبرت بسمة وفى حوالى الرابعة من عمرها صارت تعبث بكتب المكتبة ولم أجد مفراً سوى الحرص على زيارتها ،بصحبتى، للمكتبات والمعارض الثقافية ..وحرصت على شراء المجلات وكتب الأطفال ،فكان لها مكتبة جميلة وظريفة ممتلئة بالكتب المصورة والمجلات الراقية وكتب المكتبة الخضراء وأعمال كامل الكيلانى ويعقوب الشارونى وآخرين وأخريات .
ودخلت ابنتى بسمة المدرسة وتنقلت عبر مراحلها المختلفة ..وذات يوم ...عدتُ عصراً ووجدتها بحجرة المكتبة تنتقى كتاباً ولمحتها تقرأ فى أحد المجلدين "ألف ليلة وليلة" .
فتبسمت ضاحكاً وقلت لها:مرة واحدة ألف ليلة وليلة!!

وسرحت بفكرى ..هاهى الحفيدة تقرأ راويات وحكايات قرأها أبوها ومن قبله جدها ..
هذا هو التراث الذى يتجدد عبر السنين ولاتزول قيمته ولاتبهت آثاره .

(4)


خشيت على ابنتى من قراءة حكايات ألف ليلة وليلة بألفاظها التى لاتتفق مع سنوات عمرها الطفولى ،فقلت لها : سأشترى لك مجلدات ألف ليلة وليلة كلها .


وفى صباح اليوم التالى ،ذهبت إلى مكتبة دار الهلال بطنطا واشتريت لها النسخة المعدلة بألفاظ لاتخدش الحياء "أربعة مجلدات مزادنة بصور جميلة وكتابة واضحة وطبعة أنيقة " فكانت تصطحبها معها إذا كنا فى سفر طويل تقرأها بدهشة وانبهار ،وتحكى لنا بعض قصصها .

فكانت الضحكة تدفعنى إلى أن أقول لها : احك لنا ياشهرزاد النويهى .

ومنذ فترة قصيرة ..دخلت غرفتها فوجدت هذه النسخة بمجلداتها الأربعة .


وفى سنة 1997م .. قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر ..كتاب الذخائر ..بنشر هذه الرواية الأم بالعنوان الثابت فى المداخلة الأولى .
بدءاً من العدد 11 وحتى العدد 18 ..تم نشرها كاملةً ..رغم الصياح المخجل والثورة الزاعقة لمدعى الفضيلة وحراس القيم المزيفين .

وها هى الرواية الأم الخالدة ..كاملةً ،لدىّ ، كلما ادلهمت بى الأمور وزاد ضيق النفس ..أسعى وراء أحد مجلداتها الثمانية .
فهى أعظم عمل روائى سردى على مر العصور ، بل هى إلياذة وأوديسة العرب .
(5)


منهومان لايشبعان طالب علم وطالب مال .. حقاً وصدقاً .. فمن أبتلى بهذا النهم ،فلن يشبع أبداً،لكن قد ينفد المال، أما العلم فهو باقِ ،تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل .
فالقراءات فى كل المعارف نهم يشتد أواره والظمأ الذى لاينتهى والعقل يسع كل شىء .

فالليالى قد نالت الكثير من الدراسات ..ففى سنة 1941م ناقشت سهير القلماوى بحثها الهام عن "ألف ليلة وليلة فى الشرق والغرب " تحت إشراف الدكتور طه حسين .

فتأثير الليالى لم يسلم منه قارىء أو مستمع سواء فى الغرب أو الشرق .

وفى سنة 1994م قامت مجلة فصول بنشر ثلاثة مجلدات ممتازة عن ألف ليلةوليلة .

وفى صفحة الغلاف أن هذه الأعداد مهداة إلى سهير القلماوى رائدة دراسات ألف ليلة وليلة .
كما أن نجيب محفوظ قد استلهم رواية هامة من ألف ليلة وليلة ..تعتبر من درر أعماله الروائية .

كان اليقين الثابت بداخلى ،عظمة هذا العمل الإبداعى الفذ، هو مجموع ذاكرة جماعية للعقل العربى فى أزهى عصوره وتأثيره ملأ الدنيا وشغل الناس .

وتأتى سنة 2005م ويصدر مجلدٌ ضخمٌ بعنوان "الرواية الأم ..ألف ليلة وليلة والآداب العالمية ..دراسة فى الأدب المقارن" للأستاذ ماهر البطوطى.. عن مكتبة الآداب بالقاهرة فى 408صفحة من القطع الكبير .

وأغوص فى عوالم ألف ليلة وليلة وأطير مع السندباد البحرى ورحلاته السبع وحكاية التفاحات الثلاث ومعروف الإسكافى وقمر الزمان وزوجة الجوهرى ..

حكايات لاحصر لها .....إلخ

أحلام وأشواق ولهاث وخيال وحكمة وتجارب ودراسات عن طبائع البشر 




توظيف الفكر ،كسلاح شهوانى، فى ألف ليلة وليلة .

كتبت عن" الوقوع فى دائرة السحر "مستعيراً عنوان الدراسة للأستاذ الدكتور محسن الموسوى ،عن ليالى الف ليلة وليلة ،هذا العمل الجمعى للإبداع العربى ،شاهداً على عبقريته ونضجه القصصى عبر عصوره المتتالية .

إنها ،وكما أزعم، إلياذة وأوديسا العرب.

والكتابة عن تأثير ألف ليلة ،على الأقل فى تكوينى الفكرى ،تأثيراً يزداد بتقدم العمر .وأتمنى أن تكون هناك فسحة من العمر لمواصلة الكتابة، عن هذا التأثير المتجدد والمتواصل ،فى مسيرة تكوينى الفكرى عبر مراحل حياتى ..وحتى اللحظة الراهنة.


وها أنا المفتون بالليالى ..أقرأ دراسة ممتازة عن شهرزاد والليالى للأستاذة الدكتورة النابغة فاطمة المرنيسى ..التى صالت وجالت فى المسكوت عنه ،وربطت بين الحاضر والماضى ،بأستاذية تُحسد عليها .

قرأت لها بعض كتبها وأبحاثها ،أخذت بيدى إلى المناطق المحرمة التى أقصتها الفتاوى والتقاليد الرثة والفكر المنغلق عن نور العقل وشهوة التفكير وفتح المغاليق التى طال عليها الأمد.


إنها دراسة رائدة عن" توظيف الفكر ،كسلاح شهوانى ،فى ألف ليلة وليلة ".

أنقلها كاملةً عن مجلة نزوى العمانية بعددها الفصلى رقم(58)الصادر فى يوليو 2009م أعتبرها وكتاباتى ،هنا ،الفصل الثانى من" الوقوع فى دائرة السحر".

أتمنى الاستمرار فى الكتابة ...إن شاء الله.


(1)


شهرزاد، اسم امرأة شابة تحكي وقائع، تم تجميعها في عمل، سمي: ألف ليلة وليلة. لا نعرف الشيء الكثير عن أصل هاته الحكايات العجيبة، غير كون الرواة العموميون قصدوا الترفيه عن المارة في بغداد القرن الوسيط، يروونها بالعربية، حتى وإن وجدنا أصلها من الهند إلى فارس. ابن النديم، أحد المؤرخين العرب القدامى القلائل الذين انتبهوا في ذلك الإبان (القرن 11) إلى تأثيرها على الحشد ـ كانت من القوة، مما حتم على شرطة الخليفة البدء في مراقبة الرواة ـ أثبت بأن «أول من أبدع تلك الحكايات (...) هم فرس الأسرة الحاكمة الأولى (...) ثم قام العرب بترجمتها. أشخاص يتوفرون على موهبة أدبية، أضافوا أخرى جديدة مع صقلهم للقديمة». فتح، حكايات «ألف ليلة وليلة»، يعني الدخول إلى عالم يجهل الحدود والاختلافات الثقافية، من الشاطئ الأطلسي إلى تخوم الصين. الفارسيون مثلا، تحدثوا العربية وحكموا بلدانا غريبة عنهم.
«شهرزاد» لفظ عربي لكلمتين فارسيتين: شيهرا، ثم زاد، بمعنى «مولود نبيل». زوج السيدة الشابة، الملك شهريار، فارسي أيضا. اسمه اندغام لكلمتي شهر ودار، أي «صاحب المملكة». مع ذلك، تتوجه شهرزاد إلى زوجها بواسطة اللغة العربية كلغة أجنبية وليس الفارسية. وشهريار يحكم شعبا، لم يكن مألوفا بالنسبة إليه، حيث تمتد سلطته إلى «جزر الهند، والهند الصينية». بالرغم، من قدرتها على تجاوز الحدود الثقافية، تنهض الحكايات على عائق يستحيل تجاوزه: الاختلاف بين الأجناس. أكثر، من حاجز يفصل داخل الحكايات بين الرجال والنساء. إنه هاوية، والرابطة الوحيدة التي توحدهم، الحرب التي يستسلمون لها.
بالفعل، تنفتح «ألف ليلة وليلة» على حرب قاسية للأجناس، دراما مفعمة بالكراهية والدم، تنتهي مثل حكاية للجنيات Fées، نتيجة المهارة الثاقبة لـ شهرزاد وتمكنها من فن التواصل.

(2)

تبدأ التراجيديا، بتاريخ لـ شاهزمان أخ شهريار وملك «بلد سمرقند». حين عودته إلى قصره، سيكتشف الملك زوجته بين «أحضان طفل يشتغل في المطبخ». قتل العاشقان، ثم أخذ في معالجة ألمه بالسفر، ووصل على الفور إلى مملكة شهريار، البعيدة جدا عن مشهد الجريمة. ذات صباح جميل، يسير الحزين شاهزمان وسط حدائق حريم أخيه، فإذا به يلقي نظرة خاطفة: «كان يشكو مأساته، متجها بنظره نحو السماء ومسالك الحديقة. فجأة، شاهد انفتاح الباب الخاص لقصر أخيه. ثم ظهرت غزالة صاحبة عينين سوداوتين، إنها سيدة المكان زوجة أخيه. تتبعها عشرون خادمة، عشر ذوي بشرة بيضاء وعشر سود يجلسن ويتخلصن من ملابسهن. اكتشف إذن، بأن العبيد الذين تم إخصاؤهم، عشر نساء بيض وعشرة رجال سود متنكرين في هيئة نساء. ارتمى العبيد السود فوق النساء البيض، وصاحت الملكة: «مسعود مسعود». ظهر عبد أسود فوق الشجرة، قفز إلى الأرض، انقض عليها ثم رفع رجليها وانغرز فيها لكي يمارس عليها الجنس. كان مسعود فوق الملكة بينما العبيد السود فوق العبدات السوداوات، وبقوا على هذا الوضع إلى غاية منتصف النهار. بعد الانتهاء، استعاد العبيد العشرة ملابسهم، وأخذوا من جديد مظهر نساء سوداوات. نط، مسعود من فوق سور الحديقة واختفى، بينما اندست الملكة من الباب الخاص صحبة نسائها ثم أغلقن الباب بعناية».
تنضاف إلى جانب خيانة المرأة للرجل، خيانة العبد لسيده. على مستوى اللغة العربية، فإن جملة: «كان مسعود فوق السيدة النبيلة (مسعود فوق الست)» تختزل هذه الرابطة القدرية بين الزوجة والعبد، التي هي جوهر الحريم كشكل للتراجيديا. تتحدد الخيانة ببنية الحريم ذاته: إنها التراتبيات والموانع التي يشيدها الرجال من أجل السيطرة على النساء اللواتي يحدثن العصيان ويفرضن قوانينهن. إن مرتكب الخيانة الزوجية، وهو يتصفح عمل «ألف ليلة وليلة» سيفترض وهما آخر يوطد بعده التراجيدي: الموانع التي تقوم حول الحريم هشة وقابلة للاختراق: يكفي أن يتنكر الرجال في شكل نساء كي يصيروا غير مرئيين.
(3)
ماذا فعل شهريار حينما اكتشف جريمة زوجته ؟ لقد عاقب المجرمين: قتل زوجته وخادمه. بل لم تتوقف رغبته في القتل عند هذا الحد: سيلازم لياليه. كما سيأمر وزيره، بأن يقتاد له عند كل صبيحة عذراء يتزوجها ويقترن بها ليلا. لكن مع الفجر، يقودها إلى الجلاد لينفذ فيها حكم الإعدام: «هكذا سيتواصل الأمر إلى غاية إبادة جميع الفتيات. كل الأمهات تبكين، فتصاعد الضجيج بين الآباء والأمهات...».
نعاين إذن، منذ بداية «ألف ليلة وليلة» التشابك المعقد بين العنف الجنسي والسياسي. ما بدئ قبل ذلك، كحرب بين الأجناس تطور نحو عصيان سياسي ضد الحاكم من قبل الآباء الحزينين على بناتهم.
لم تبق الآن، إلا عائلة وحيدة في مملكة شهريار تضم فتيات عذراوات. إنها عائلة الوزير الذي كان مكلفا بعمليات القتل، وهو أب لفتاتين تسمى الواحدة شهرزاد والثانية دنيا زاد، لم تصل شهرزاد إلى قصر شهريار إلا بعد سنوات حادث الحديقة. كان أبوها يرفض التضحية بها، لكن شهرزاد ألحت على مواجهة الملك: «أبي، مخاطبة الوزير المنهار، أريد الزواج من الملك شهريار، إما أنجح في تخليص شعبي أو أموت...».
تحت هذه اليافطة، تمثل الفتاة الشابة التي تسكن خيال الفنانين والمفكرين المسلمين كما سنرى بعد ذلك، وجها للمقاومة والبطولة السياسية. لا تسير شهرزاد بسذاجة نحو الموت، بل لها استراتيجية وتتوفر على برنامج مصمم جيدا. محادثة الملك، إلى غاية أن تتملكه، بحيث لا يمكنه التخلي عنها وكذا صوتها. صار المخطط كما توقعته ثم حافظت شهرزاد على حياتها.
تقويم اندفاعات المجرم المتهيئ لقتلك، وأنت تروي له حكايات، يعتبر انتصارا هائلا. لكي تنجح شهرزاد، يجب أن تضع على التوالي ثلاث استراتيجيات ناجحة. أولا، معارفها الواسعة، ثانيا، موهبتها في خلق التشويق بطريقة تشد معها انتباه القاتل. ثالثا، برودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.
الامتياز الأول، ذو طبيعة ذهنية: تلقت شهرزاد تربية أميرية، تجلت ثقافتها الموسوعية منذ الصفحات الأولى من الكتاب: «قرأت شهرزاد مؤلفات في الأدب والفلسفة والطب. لا تنطوي القصيدة بالنسبة لها على أسرار، فقد درست النصوص التاريخية وبإمكانها الاستشهاد بالوقائع المثيرة للأوطان الغابرة والحكي عن أساطير الملوك القدامى. كانت شهرزاد ذكية عالمة، حكيمة ومهذبة. قرأت وتعلمت كثيرا». لكن العلم وحده غير كاف لإعطاء المرأة سلطة على الرجل: انظروا إلى هؤلاء الباحثات المعاصرات عندنا، إنهن متعددات ولامعات سواء في المشرق أو المغرب: لكنهن عاجزات عن تغيير غرائز الموت عند شهريار العصر الحالي... من هنا فائدة القيام بتحليل يقظ، للكيفية التي خططت بها شهرزاد لنجاحاتها.
الامتياز الثاني لبطلتنا، يحمل طبيعة نفسية، فهي تتقن اختيار كلماتها لكي تؤثر في أقصى عمق فكر المجرم. إن التسلح بوسيلة وحيدة مثل الكلام للدخول في صراع مميت، يمثل اختيارا ينطوي على جرأة نادرة. إذا كان هناك من حظ للضحية كي ينتصر، فمن اللازم بالنسبة إليه فهم دوافع المهاجم واكتشاف قصدياته ثم إبطال الهجومات بالحدس كما هو الحال مع لعبة الشطرنج. الاختيار الذي سلكته شهرزاد أكثر صعوبة، بحيث يبقى أولا، الملك ـ العدو ـ صامتا. على امتداد ستة أشهر الأولى، اكتفى بالاستماع إلى ضحيته دون النطق بأية كلمة. أما شهرزاد فلا يمكنها حدس مشاعره إلا بناء على إيماءات وجهه وجسده. كيف يمكن لها في إطار هاته الشروط، أن تعثر على الشجاعة لمواصلة الحكي وحدها طيلة الليل ؟ كيف تتجنب الخطأ النفسي والخطوة الخاطئة القاتلة ؟ لذلك، مثل صاحب مخطط يستخدم معارفه في أفق توقع ردود فعل الخصم وتمثل تكتيكاته. كان، من الضروري بالنسبة لشهرزاد أن تكتشف باستمرار ما يدور في فكر شهريار، تبين ما سيحدث بعد ذلك بدقة كبيرة، فابسط خطأ يعتبر مميتا.
أيضا، يفضي الامتياز الأخير للمناضلة الشابة على الأقل الى الاحتفاظ بوضوح الأفكار ومواصلة اللعبة عوض الخضوع للخصم. ستنقد شهرزاد إذن ذاتها اعتمادا على ذكائها وخاصياتها الدماغية التي تتميز بقوة هائلة على التخطيط. ستوظف نفس أسلحة الإغواءات الهوليودية أو جواري ماتيس Matisse. تتدحرج، بشبق جسدها العاري فوق سرير الملك، وإلا فستموت.
لا يفتقر هذا الرجل للجنس بل يعاني من تحقير حاد للذات نتيجة تعرضه للخيانة. ما يحتاجه الملك، علاجا نفسيا يساعده على أن يعيش ثانية المأساة التي تنخره ثم يتحرر منها، وهو بالضبط ما شرعت شهرزاد في القيام به وذلك بجرأة نادرة. كانت تروي له مئات الحكايات التي تكرر بشكل لا نهائي نفس الحبكة، مثل هلوسة: رجال يتعرضون للخيانة من طرف نسائهم. ثم لكي تشجع شهريار على النظر بنسبية إلى مأساته، فإنها تورد حالة الجن، تلك الكائنات اللاأرضية التي من المفروض أنها لا تنهزم، فقد خدعتها النساء وهم يتسلون بحجزهن. جرأة الكلام مع رجل عنيف قصد مداواته من جرح يتآكله، يعتبر بالتأكيد تهورا ينبني على استراتيجية دفعت مجموعة من المفكرين، كي يكتشفوا في شهرزاد، امرأة محرضة على التمرد، محفزة المستضعفين على العصيان.

(4)


لاحظ جمال الدين بن الشيخ، أحد أفضل المختصين في الحكايات، بأن شهرزاد لم تنكر لحظة من اللحظات وجود القائد، رغبة النساء لتعطيل إرادة الرجل. هذا ما يفسر سبب رفض النخبة العربية تدوين الحكايات: (الراوية التي تتوخى الحصول على رأفة الملك المخدوع من قبل زوجته، ستوظف كل خيالها المبدع، لتنسج وقائع تؤكد عدم ثقة هذا الأخير في النساء). تنطوي الحكايات بالفعل على توضيحات لمزاج نساء الحريم، غير القابل للضبط. سيظهر مع الواحدة بعد الأخرى، إلى حد عدم واقعية، توقع رؤيتهن يخضعن لقواعد اللامساواة التي تفرض كقانون. بإمكان الرجال، قراءة المصير التراجيدي الذي ينتظر كل واحد منهم. يكتب بن الشيخ: «نعرف بأن رعب الخيانة هذا، يغوص بجذوره إلى أكثر الثقافات قدما من ثقافتنا، معبرة عنه دائما بنفس الطريقة تقريبا.... لكننا في هذه الحالة، نشتغل على نص مكتوب بالعربية...». ولأن العربية، تمثل لغة الكتاب المقدس، أي اللغة التي نزل بها القرآن ! فإن تدوين الحكايات بالعربية، يعني منحها معقولية خطيرة، هذا ما يفسر عنده إدانة النخب العربية الذكورية للحكايات طيلة قرون والاقتصار على تداولها شفويا. إن رفض المثقفين العرب المتنفدين، الترخيص لتدوين الحكايات وضعها داخل سياق الدونية، أمام الأوروبيين الذين أعطوها امتيازا بترجمتها ابتداء من سنة 1704 (الترجمة الفرنسية لـ Galland). بينما، لم تظهر أول طبعة عربية إلا بعد قرن من ذلك، وبالضبط سنة 1814، كما أن لا أحد من الناشرين لـ«ألف ليلة وليلة» كان عربيا.
صدرت الطبع العربية الأولى، بـ كالكوتا Calcutta سنة 1814 من قبل هندي مسلم اسمه «الشيخ أحمد الشيراواني»، أستاذ العربية بـ كوليج وليام الرابع. أما الثانية، فقد أنجزها «ماكسيميليان هابيش» Maximilan Habicht بـ بروسلو Breslau، ألمانيا سنة 1824. بعد عشر سنوات من ذلك، سيأخذ العرب المبادرة أخيرا، بالعمل على تسويق النسخة المصرية لـ بولاق التي طبعت بالقاهرة سنة 1834. من المهم، الإشارة إلى أن الطبعة العربية الأولى لـ«ألف ليلة وليلة» تبين الحاجة لتصحيح نسخة بولاق: «تحسين اللغة بطريقة تنتج عملا ذا قيمة أدبية أعلى من النسخة الأصلية».
بإمكاننا التساؤل عن السبب الذي استندت إليه النخب، كي ترفض تدوين الحكايات؟ ما هي الجريمة الأساسية التي اتهمت بها شهرزاد؟ هل الأسباب سياسية أو دينية كما يحدث حاليا في الدول العربية والاسلامية، بمنع الكتب؟ يظهر بأن العامل الأول الذي تم استحضاره هنا، أدبي بالأساس دون أي مضمون سياسي: لقد كانت النصوص ذات قيمة ضعيفة.
لاحظ «بن الشيخ» مستوى الخرافة الذي وضعت في إطاره الحكايات (مما يعني تقريبا «هذيان فكر مختل») لكن وراء هذا البرهان الأدبي، يتحدد منتهى الجبل الجليدي السياسي: رفضت النخبة إخراج الحكايات لأنها تترجم مشاغل ورأي القوى الشعبية. هذه الجزئية الصغيرة، تجعلنا نستشف انفصاما ضخما: ألا يجسد الإرث الإسلامي المدون فكر النخبة ؟ ألا ترسم الشفاهية في جوف هذا الإرث فتحة واسعة وفراغا علينا الاهتمام به ؟ هذا التطابق بين الشفاهية والإقصاء، قاد بن الشيخ للتساؤل، إذا كان في الواقع رفض تدوين الحكايات كتابة يتأتى من كون النساء يظهرن فيها أكثر براعة من الرجال. بناء على منطق «ألف ليلة وليلة»، فإن القاضي (شهريار)كما لاحظ «بن الشيخ» كان مخطئا، بينما الصواب إلى جانب المتهمة (شهرزاد): «لم يحاكم الملك فقط من قبل شهرزاد، لكنها أيضا تدينه حتى يغير طريقته في العيش وفق نزواته، إنه عالم معكوس. عالم، لا ينفلت فيه القاضي من عدالة ضحيته». عالم، حيث القواعد هي قواعد الليل: شهرزاد صامتة طيلة اليوم، غير مرخص لها بالتكلم إلا بعد غروب الشمس، حينما يلتحق بها الملك للاستماع إليها وهو على فراشه.تتذكرون الجملة المقتضبة التي تنهي كل حكاية: «وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح».
هكذا، يقلب الأثر الحاسم للحكايات التي تتداعى في الظلام، قوانين محكمة الملك، الذي يبدو بأنه ليس شيئا آخر غير سراب، سريع الاندثار مثل ضوء النهار. بالفعل، يتخلى الملك عن اعتدائه المرعب، ويخضع لتأثير نافذ من قبل شهرزاد، مقرا بعدم صوابه حينما يسقط غضبه على النساء، «آه شهرزاد، جعلتني أزهد في ملكي، والتحسر على ماضي العنيف تجاه النساء، وكذا أفعالي القاتلة ضد الفتيات الصغيرات».
بالتالي، سيقر المستبد بتغير مفهومه عن العالم، بعد حواره الطويل مع زوجته. اعتراف، قاد مجموعة من الكتاب العرب في القرن العشرين، لكي ينسبوا إلى شهرزاد خاصة والنساء عامة سلطة مدنية. المفكر المصري اللامع طه حسين، أطلق نداء إلى المستقبل: لكي تستعيد مواقف الرجال حب امرأة، فمن الضروري أن تستند على السلم والهدوء بدلا من العنف. في كتابه المعنون بـ: أحلام شهرزاد، الصادر سنة 1943، جعل من الحكاية الناطق الرسمي باسم الأبرياء الذين زج بهم في عذاب الحرب العالمية. حرب أشعلتها أوروبا، ولم تكتو بنارها فقط الشعوب العربية بل شملت كل الكون. تجسد شهريار عند طه حسين، نزوة الموت عند الإنسان المبهمة، والمأساوية. لم يفهم، الملك بأن سجينته مؤتمنة على سر نفيس جدا، إلا بعد سماعه لها لسنوات طويلة. من الضروري أن يكتشف هذا السر، لكي يدرك أخيرا النضج العاطفي والرصانة:
(5)

«شهريار:
من أنت وماذا تريدين ؟
شهرزاد:
ـ أنا شهرزاد، كنت مرعوبة طيلة سنوات، ثم منحتك لذة الاستماع إلى حكاياتي. حاليا، اقتحمت مرحلة جديدة، قد أمنحك حبي لأنني انهزمت جراء الرعب الذي ألهمتني إياه. ماذا أريد ؟ أسعى، لكي يتذوق أخيرا سيدي الملك السكينة، ويحس ببهجة الحياة في عالم يخلو من كل قلق».
حسب طه حسين، يتجلى الخلاص حينما يبدأ الحوار بين الطاغية والمظلوم، القوي والضعيف. لا يمكن للحضارة أن تزدهر حقا، إلا إذا تعود الرجال على إقامة حوار مع الكائنات الأكثر اقترابا منهم، النساء اللواتي يقتسمن معهم الفراش. بالتالي، هل بعث ثانية، طه حسين الضرير، المعاق والعاجز عن القيام بالحرب ـ تماما مثل المرأة ـ مضمون الرسالة كما تضمنته حكاية شهرزاد القروسطية: يوجد رباط بين الإنسانية وحرية المرأة. لذلك، فإن كل عمل يتأمل الحداثة داخل العالم الإسلامي المعاصر، يؤخذ كسلاح ضد العنف، الاستبداد. ويكتسي أيضا، صيغة دفاع عن النسوية.
بالنسبة لزعيم مسلم إصلاحي، كما هو الأمر مع الرئيس الإيراني خاتمي، المنتخب في الاقتراع المباشر لسنة 1997 بـ 70٪ من الأصوات، نتيجة تصويت النساء. فمن البديهي لكي يصارع ضد المحافظين، أن يحث النساء على ولوج مواقع السلطة. ثم دعما لموقفه قصد هزم معارضيه في انتخابات يونيو 2001 (77٪ من الأصوات)، قام خاتمي بعملين عضد بواسطتهما مسار الديمقراطية. أولا، شجع النساء على المساهمة في انتخابات المجالس البلدية سواء في القرى الصغيرة أو المدن الكبرى، هكذا انتخبت 781 من بينهن. بعدها، دفع النساء لكي يشغلن وظائف مراكز القرار في دواليب الجامعة، بحيث أحرزن على 60٪ منها قبل ولايته الثانية. بشكل مفارق، فإن قرار ارتداء الحجاب الذي أعطاه آية الله الخميني إلى النساء سنة 1979 لإخفاء التعددية داخل الأمة الإسلامية، دفعهن للرجوع بقوة إلى المشهد السياسي بعد عقد من الزمان. مثلما في هاته الأحلام المتكررة بشكل لا نهائي، يعاد ثانية في كل مكان بالعالم الإسلامي، إنتاج السيناريو الإيراني المرتبط بالصلة الحتمية بين الديمقراطية وتأنيث السلطة. أن تذهبوا إلى الجزائر، تركيا، أفغانستان أو أندونيسيا، ستلاحظون وأنتم تنتقلون من قناة تلفزيونية إلى أخرى، بأن السجال حول الديمقراطية يقود حتما إلى سجال آخر يتعلق بالمرأة والعكس صحيح. هذا التداخل المثير، الذي يجمع بين التعددية والنسوية داخل العالم المضطرب للإسلام الحالي، تجسد قبل ذلك مع تاريخ شهرزاد وشهريار. لقد انتهى شهريار في ألف ليلة وليلة، بالتوصل إلى أن الرجل ملزم بتوظيف الكلام بدلا من القوة لتسوية نزاع ما. في صراع شهرزاد من أجل البقاء والحرية، فإنها لا تقود جيوشا ولكن مجموعة كلمات. بالتالي، يمكن اعتبار الحكايات مثل أسطورة متحضرة مازالت راهنية جدا. تتغنى «ألف ليلة وليلة»، بانتصار العقل على العنف. قادني هذا التأمل، لكي أعود إلى نقطة تتناقض كليا مع صورة شهرزاد في الغرب وكذا نسختها الهوليودية: في الشرق، المرأة التي لا تستعمل غير جسدها ـ أي جسدها دون دماغها ـ هي بالضرورة عاجزة عن تغيير وضعيتها. أخفقت إذن الزوجة الأولى للملك على نحو محزن، لأنها حينما سمحت لخادمها كي يمتطي فوقها، اختزلت ثورتها في الجسد. الخيانة الزوجية بالنسبة للمرأة، فخّ انتحاري. على العكس، نتعلم من نموذج شهرزاد إمكانية قيام المرأة بتمرد فعال، شريطة التفكير. ستساعد الرجل بقوة ذكائها، للتخلص من رغبته النرجسية إلى ارتباط بسيط. يبين التاريخ ضرورة، أن نقابل اختلافنا مع اختلاف الآخر، حتى يتأسس الحوار ثم نكتشف ونحترم الحدود التي تفصلنا. تثمين، حوار في كل جزئياته، يعني تقدير معركة تكون نتيجتها غير مضمونة، بحيث لا نعرف سابقا الغالب والمغلوب، لكن الانخراط في معركة كتلك تمثل موقفا يضع رجلا داخل وضعية تتميز بعدم الاستقرار، بعد أن اعتاد على أخرى مريحة حينما كان مستبدا.

(6)
عبد السلام الشدادي، مؤرخ مغربي وأحد أدق الباحثين في الإسلام المعاصر، يختزل رسالة «ألف ليلة وليلة» بقوله: «اجتهد شهريار حتى يكتشف فكرة استحالة إلزام المرأة، للامتثال للقاعدة الزوجية». ثم، يضيف بقدر ثورية هاته الفكرة، فإنها أقل من الرسالة الثانية للحكايات: إذا أقررنا بأن اللقاء بين شهريار وشهرزاد، صورة للصراع الكوني الذي يتعارض في إطاره النهار (تمثيل ذكوري لنظام موضوعي) مع الليل (تمثيل أنثوي لنظام ذاتي)، بقاء الزوجة، يخلق لدى الرجل المسلم ارتيابا غير قابل للتحمل تقريبا: ما هي إذن نتيجة المعركة ؟ يكتب الشدادي: «حينما يحافظ الملك على حياة شهرزاد فهو ينتهك القاعدة التي وضعها. عمل شهريار بالفعل، وضد كل انتظار، على كبح ذاته مانحا شهرزاد الحق في الحياة والكلام ثم النجاح، «تتوازن القاعدة والرغبة، حيث يلامسان نوعا من السكون المتقلب، دون التمكن من القول بأن أحدهما سيستعيد أم لا حركته الأصلية». ما إن يغلق الرجل المسلم، الصفحة الأخيرة من الحكايات إلا ويحصل عنده اليقين بشيء واحد: الحرب بين الأجناس في نطاق تجسيدها للحرب بين العقل والعاطفة، تعتبر لا نهائية.
التعارض حسب «الشدادي» بين الملك والراوية له أهمية أخرى: إنه يعكس ويوسع النزاع الحاد الذي يفصل في الثقافة الإسلامية بين التقليد الشرعي والخيال. غلبة شهرزاد هو انتصار للخيال (الوهم)، على مشروعية حراس الحقيقة (الصدق).
يتحدث الشدادي عن مصير الحكواتيين المأساوي. رواة الشارع هؤلاء، حيث يشكل سلمان رشدي أحد ورثتهم في الزمان الحالي، اعتبروا عادة في بغداد القرن الوسيط، كمتمردين مفترضين ومثيرين للقلاقل. كما هو الأمر اليوم، مع صحفيي اليسار الخاضعين للمراقبة، فقد كان هناك سعي قصد منع هؤلاء الحكواتيين من مخاطبة الجمهور. أشار المؤرخ الطبري، في تاريخه عن الأوطان والملوك، أنه سنة 279 هجرية (القرن العاشر ميلادي): «أعطى السلطان أمره، لإخبار سكان مدينة السلام (أحد أسماء بغداد)، بعدم الترخيص لأي حكواتي كي يستقر في الشارع أو المسجد الكبير». إذا طرد الحكواتيون من المسجد يفسر الشدادي، ذلك لصعوبة القيام بتمييز واضح بين خيالهم والحقيقة. الطرد، وسيلة القصر الوحيدة لإسكات صوت هؤلاء المبدعين الخطيرين: «مع بداية النصف الثاني من القرن الهجري الأول (القرن السابع الميلادي). قام علي (الخليفة الرابع العقائدي) بمنع رواة الشارع من دخول مسجد البصرة. بالتأكيد، لن تتوقف مضايقة الحكواتيين، إلا بإنهاء الرابطة المهنية... وتعويضهم بالوعاظ. لقد كانت الوسيلة الوحيدة، من أجل تأسيس واضح للحد الفاصل بين ما يمكن اعتباره حقيقيا وصادقا ثم ما ينتمي إلى عالم الخيال والخطأ وكذا الزيف».
لكي تخلخل أكثر العقول المتزمتة القديمة منها والمعاصرة، فإن شهرزاد تتوفر على سمة الإزعاج إلى أبعد حد. يعيد الشدادي التذكير بها: «مع أول ظهور لها في الكتاب، تكشف عن مواهب سلطة دينية إسلامية، «فقيه» بالمعنى المتكامل وصاحبة موقع حصين». لا تتضمن معارفها اللانهائية ضبطا فقط للتاريخ، لكن أيضا الأدب المقدس من قرآن وشريعة وكذا مختلف التأويلات الدينية للمدارس الفكرية. تداخل عجيب بين ثقافة علمية جدا وخطاب ينحصر ظاهريا في عالم الخيال والليل. تمازج، جعل شهرزاد متهمة كثيرا، مما يفسر رفض النخب العربية تصنيفها ضمن الإرث المكتوب. تشير «ألف ليلة وليلة» إلى الخطر المحدق بطبقة الخاصة حينما تستمع للعامة. هذا الشعب الصارخ والقوى الأمية، تكرر لمن يريد الاستماع إليها بأن الطبقية، اللامساواة، والتفضيلات، تشكل أعداء لها.
أليس من الغريب،أن راوية متخيلة في القرن 11، تحتل من جديد مكانا مركزيا. بين ثنايا المشهد الفكري الإسلامي المعاصر، باعتبارها رمزا للصراع الديمقراطي ؟ هذا، لأنها عرفت قبل ذلك في بغداد العباسيين، كيفية التشكيل الواضح للأسئلة الفلسفية والسياسية الجوهرية، عجز حتى الآن زعماؤنا السياسيون المعاصرون عن الإجابة عنها: هل يجب الخضوع لقاعدة جائرة فقط لأنها كتبت من قبل الرجال ؟ إذا كانت الحقيقة بهاته البداهة، فلماذا لا نترك الوهم والخيال المبدع كي ينموان ؟ معجزة المشرق، أن ذكاء شهرزاد الثاقب واهتمامها بالقضايا السياسية والفلسفية، جعل منها مغرية ومدمرة بشكل مريع.
تعود أصلا قوتها الإقناعية إلى ثقتها في الذات، بسبب هذا المعطى الذي يمثل فن جوهر التواصل، فإن شهرزاد مدهشة. لا تصرخ حينما ينتابها الخوف، فهي لا تبدد طاقتها. توظف الصمت لمعرفة نوايا خصمها وتحديد نقطة ضعفه، وعلى ضوء ذلك توطد استراتيجيتها المضادة. إنها، متيقنة بكونها شخصية رائعة، تتوفر على ذكاء مذهل. لو ظنت نفسها حمقاء، سيقطع الملك رأسها. تؤمن كثيرا بقدرة الكائن الإنساني على تغيير مصيره. السحر فينا، تلك هي دعوة شهرزاد. نأتي إلى العالم، ونحن مسلحين جدا للدفاع عن أنفسنا: دماغنا سلاح لا يقهر. احترام الذات سر النجاح، ذاك هو مصدر افتتان المسلمين بشهرزاد، الأمس مثل اليوم وسواء كانوا رجالا أو نساء. من هنا، قيمة تأويل ما يحدث لها حينما تعبر الحدود اتجاه الغرب.
هل ستمر تلك الملكة بسلاح الفصاحة أم ستفقد لسانها عند الحدود ؟ شيء يقيني: نعرف بالتأكيد رحيلها إلى الغرب، ووصولها باريس سنة 1704م.
الهامش
k Fatéma Mernissi: le Harem européen. Editions le Fennec, 2003, PP:59-76
.

فاطمة المرنيسي ترجمة: سعيد بوخليط
عالمة اجتماع من المغرب كاتب من المغرب

متتالية شهر زاد..للموسيقى الروسى الشهير ريمسكى كورساكوف ،تعتبر عملاً فنياً باذخاً،لايختلف عليه إثنان.

وأصبح هذا العمل من أشهر الأعمال الموسيقية على الإطلاق بين الشعب المصرى ..ربما تقديمه فى مسلسل ألف ليلة وليلة كمقدمة لبداية الحلقة ثم فى نهايتها ،وشهرزاد تتثأب بعد صياح الديك.


لكن مشكلة شهر زاد تكمن فى كيفية الخلاص من الموت ،ووقف نزيف الموت لبنات جنسها فى مواجهة ظلم واستبداد وطغيان شهريار ،الذى عاقب جميع النساء من جراء خطأ واحدة منهن .

فلاعدالة ولا تمييز بين مخطىء وغير مخطىء ،بين متهم بجرم فعله ،وبين متهم بفعل لم يقترفه.

وكأنى بقانون الظلم "الحسنة تخص والسيئة تعم " أو كما نقول فى الدراسات القانونية عمومية العقوبة ،فقد كان محمد على الكبير والى مصر المحروسة من الذين طبقوا عمومية العقوبة .،ما إن يثبت خطأ فرد من أفراد عائلة ما، إلا وتنزل العقوبة عليهم جميعاً.

ومنذ أيام أتانى رجل يبكى ..فلقد قامت الشرطة باحتجازه عدة أيام لحين القبض على ابنه الهارب من تنفيذ حكم بالحبس . وكأن لسان حاله يقول :ابنى رجل ومتزوج وليس قاصراً ويعيش فى مسكن خاص ،إذا ارتكب خطئاً فليعاقب ،أما أن أُرمى فى الحبس لعدة أيام فهل هذا عدل؟؟


إذن ما كان يفعله شهريار ،قديماً ،يفعله ،حديثاً،شهريار الألفية الثالثة .. بدم بارد وعقلية تأبى التحرر،من سجن الماضى السحيق، ولو قليلاً..فى إدراك معنى كرامة الإنسان.