بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

بعض شجونى عن مفكر مصرى عظيم

فى خلال سنة1970م طرحت مجلة الآداب البيروتية دعوة "ثورة ثقافية عربية شاملة فى السياسة والفلسفة والدين واللغة والأدب والاجتماع والاقتصاد ".
وقام الدكتور النويهى بكتابة ست مقالات :
المقالة الأولى :إلى الثورة الفكرية.
المقالة الثانية : الدين وحرية الفكر .
المقالة الثالثة :الخلاق وحرية الفكر.
المقالة الرابعة :الوطنية وحرية الفكر .
المقالة الخامسة :حرية الفكر وحرية العمل .
المقالة السادسة :نحو ثورة فى الفكر الدينى .
وأحدثت هذه المقالات ،حين نشرها ،ثورة داخل مصر ،لكونها تنتقد وبقسوة وموضوعية السلطة الحاكمة وأسباب هزيمة يونيو .
ولسبب آخر وهو المقالة السادسة التى دعا فيها إلى ثورة فى الفكر الدينى ،وهاج الأزهر وماج وعلى إثرها تم تصنيف الدكتور النويهى فى خانة اعداء الإسلام ..
وتم منع نشر مقالاته ،وهو الأستاذ والمفكر الكبير ..الذى أحدث ثورة فى حقل الدراسات النقدية ، بدارساته النقدية.وكتبه الفارقة "ثقافة الناقد الأدبى ،نفسية ابى نواس،شخصية بشار،الشعر الحاهلى ..منهج لدارسته وتقويمه،وظيفة الفن ،قضايا الشعر الجديد ....وكتب أخرى ومئات المقالات التى لم يتم تجميعها.
وعاش الدكتور محمد محمد الدسوقى النويهى ،بعد هزيمة يونيو 1967م ،يستنهض الهمم ،لكن تم عليه التعتيم والإقصاء وظل فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات العربية والإسلامية حتى وفاته سنة 1981م.وهو فى الرابعة والستين من عمره.
وببادرة محمودة من مجلة الآداب البيروتية ..قامت بتجميع مقالاته الست ونشرتها فى كتاب فى مارس 1983م فى 183صفحة من المتوسط وبتقديم يليق بالنويهى .
وفى سنة 2010م قامت لجنة مهرجان القراءة للجميع بنشر هذا الكتاب دون أن تشير إلى مجلة الآداب البيروتية ،ودون أداء المكافاة المرصودة للكتب المنشورة لورثة النويهى كما قيل لى .
وكتبت فى المواقع الأدبية محاولاً إزالة هذا التعتيم والإقصاء عن النويهى ..ولم أفلح حتى اللحظة .
حتى الإحتفالية الذى حاولت إقامتها فى سنة 1996م بطنطا ،بمرور15سنةعلى وفاته ، فقد قمت بالاتصال بالدكتور خلف الله والأستاذ خليل عبدالكريم "رحمهما الله" وآخرين ..واتفقت مع الدكتور الراحل نصر حامد أبوزيد أن يكون مقرراً لهذا الإحتفالية ولم يتم تنفيذها لإنشغاله بالقضايا المرفوعة ضده بشأن ترقيته وكتابه"مفهوم النص" وخروجه من مصر .
ولم تستطع أى سلطة ترويضه أو حضه على السير فى ركابها حتى مماته ودفنه بمقبرة العائلة بميت حبيش البحرية بطنطا ..
وهكذا عاش النويهى منكوراً حال حياته ، ومهضوم الحق بعد مماته.
وأصبحت أعماله ومقالاته نهيبة لكل متنطع ينقل منه الصفخات ولا يذكر اسمه وفقاً للأصول العلمية .
هذه بعض شجونى عن مفكر مصرى عربى قدير نسيه تلاميذه وأهملوه وضربواعليه ستائر النسيان.

موسم الهجرة إلى تونس

منيرة الفهرى ..حكاية تونسية  لاتتكرر .
تكتب بدمها ،بروحها .
تكتب عن المسكوت عنه .
أحتاج وقتاً طويلاً، كى أرصد تاريخها الإبداعى  ،ماكتبته بالفرنسية أو العربية .
منيرة الفهرى ..صوتٌ صارخٌ فى البرية .
بدأبٍ وعمقٍ ..تكتب .
فلنقرأ ....

منيرة الفهرى 
*********
Délire
Il regardait autour de lui, du vacarme, des gens qui parlaient, qui paraissaient heureux !! Il était bien habillé, il regardait la belle brune habillée en blanc qui s’asseyait près de lui, dans la grande chaise ornée de fleurs, elle était belle, elle l'aime 
.Il le savait, c'est pour cela qu'il était là avec elle à s'unir pour la vie
!Des rires remplissaient la salle, de la musique !des cadeaux 
Du gâteau de toutes sortes !des yeux remplis de joie
.Et lui, il était là !! Seul, très seul ! Très loin
"Où est ta maman? Elle n'assiste pas à ce grand jour? "Lui chuchotait un ami. Il n’a pas répondu…il ne trouvait pas de réponse! Il s’est contenté de faire signe de la tête, de faire paraître un petit sourire recherché sur les lèvres. Il ne pouvait dire qu'elle est loin!! Et qu'elle lui manquait! Oui, sa maman lui manquait à mourir
Une petite larme qu’il n’a pas pu retenir, se fait paraitre sur sa joue. Un soupir étranglé se fait entendre. Il saluait les gens qui viennent le féliciter avec la plus haute courtoisie. Il ne connaissait pas tous les amis de sa femme, des anglais, des pakistanais, mais il continua à répandre son beau sourire dans toute la salle
Les amis de son oncle, des français, des british étaient là aussi. Ils dansaient...ils chantaient…ils buvaient…ils étaient contents pour cet artiste qu’ils connaissaient depuis cinq ans…Enfin, il s’est décidé de se marier, et avec une anglaise
Mais lui, l’artiste aimé par tous, était là à souhaiter qu’un miracle se produisît et que sa maman fît son apparition dans la salle
« Hé, maman, je ne pouvais être heureux sans toi en ce grand événement? Mon bonheur ne se complète que si tu seras à mes côtés. Tout serait sinon illusion et mensonge
Tu crois que je serai comblé sans que tu assistes à mon grand jour, sans que tu pousses tes youyous habituels, sans que tu tiennes ton canoun de « bekhour » qui éloigne le mauvais œil, disais tu à chaque fois ? Maman, j’ai tellement besoin de toi à mes côtés
!Je t'en supplie, ne me laisse pas seul !! Viens à moi en ce jour de joie 
!Mon bonheur n'a pas de sens sans toi
Et la musique continua ....des heures et des heures, et les invités commençaient à partir las...Très las…et lui, il attendait toujours
!Mais rien n’a changé: il continua à être seul...Très loin
?Les quelques invités qui étaient encore là continuaient à se demander: « Mais où est sa maman
...Et lui il continua à attendre…Ses yeux étaient toujours fixés sur la porte d’entrée de la salle
...
!Du délire, rien que du délire


وقام على ترجمة هذا القصة الشاعر والمترجم سليمان بكاى
هذيان
كان يلتفت حواليه، و يستمع إلى الجلَبة و إلى المتحدثين تبدو على محياهم علامات السعادة.
كان في أبهى حلة، و كان ينظر إلى السمراء الجميلة ذات اللباس الأبيض الجالسة بقربه على الأريكة المنمقة بالورد. كانت جميلة و كانت تحبه.
كان يدرك ذلك، و لهذا كان معها اليوم ليقترنا معا مدى الحياة.
القاعة تعج بضحكات و موسيقى و هدايا و حلوى من شتى الألوان، و عيون حبلىبالمرح.
أما هو فكان هنا، و حيدا تخنقه الغربة، و كان بعيدا جدا..
"أين والدتك؟ ألا تأتي في هذا اليوم المشهود؟" همس في أذنه أحد الأصدقاء، لكنه لم ينبس ببنت شفة.
لم يجد ما يجيب به، و اكتفى بإيماءة من رأسه و بسمة صغيرة مستحثة على شفتيه. أمّه؟ و أين أمّه فعلا؟ إنها بعيدة، و هو يشتاق إليها. نعم، يشتاق إليها كاشتياق الظمآن للماء. اغرورقت العين و انفلتت دمعة لتنحدر على خده، ثم أطلق زفرة ألم خانقة.
كان يصافح الجموع التي أتت تهنئه بكل رقيّ و أدب، كان لا يعرف كل أصدقاء زوجته من إنجليز و باكستانيين، إلا أن البسمة ما غادرت محياه.
حتى أصدقاء خالِهِ من فرنسيين و إنجليز أتوا للحفلة، و كانوا يرقصون و يغنون.
أتوا يشاطرون هذا الفنان الذي يعرفونه منذ خمس سنوات فرحته.
و أخيرا،
عقد العزم على الزواج ... و من إنجليزية..
بيد أن هذا الفنان، المحبوب لدى الجميع، كان في عالم آخر..كان يتمنى شيئا واحدا في تلك اللحظة :أن تتحقق كرامةٌ ما، فتدخل أمه فجأة القاعة.
"آه، أماه! أنا لست سعيدا و أنت غائبة عن هذا الحدث الكبير. فسعادتي لا تكتمل إلا و أنت بقربي، و ما عدا ذلك وهم و كذب. أتظنين أني قادر أن أسعد و أنتِ لا تشهدين هذا اليوم الكبير، و أنتِ لا تطلقين زغاريدك المعتادة، و تمسكين بمبخرتك التي تُبعد العين الحاسدة مثلما تقولين دوما؟ أماه، ما أحوجني إلى قربك فلا تحرميني وجودك جنبي، أتوسل إليك، تعالي إلي و بددي وحدتي في هذا اليوم السعيد. فسعادتي لا معنى لها بدونك"
و تتواصل الأنغام و الرقص والضحك في القاعة... ساعات و ساعات، ثم يشرع الضيوف في المغادرة و قد أنهكهم التعب،
أما هو، فما يزال ينتظر و مازالت عيناه مسمرتين على الباب
ينتظر معجزة ما.
و لكن لا شيء تغير منذ ساعات و لم تحدث المفاجأة و بقي هو وحيدا غريبا بعيدا جدا.
غير أن سؤالا بدأ يدور في خلَد أولئك الذي لم يغادروا القاعة بعد: " و لكن أين والدته؟

**************
هذيان، هذيان ...كل ما كتبتُه هنا كان هذيانا

القومية قبل العالمية د.محمد النويهى


قبل القراءة

بعد ثورة يوليو1952م ..كان الدكتور محمد النويهى قد أخذ على عاتقه الكتابة عن الأدب العربى وله من الدراسات الكثير والكثير . طالب بأدب عربى عالمى ..فطالب الكتاب بالتعمق فى دراسة الأدب القومى حتى يصل إلى العالمية ..وضرب مثالاً بما كتبه المسرحى العالمى برنارد شو عن هنريك إبسن النرويجى الأشهر .
وهذه المقالة كتبت فى ستينيات القرن الماضى ،كما أظن، ولاقت ترحيباً .
اليوم ..وعلى مايبدو ويؤيدنى زعمى ..أنها مقالة صالحة للنشر .فهى تلمس كبد الحقيقة وعمق المشكلة التى تقف عائقاً أمام النزوع للعالمية .
وقد يقول قائلٌ :لقد وصلنا إلى العالمية وحصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الأدب ..ألا يكفى ؟
وأرد على قول القائل بأن حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل ..لاتعفينا من التصميم على القومية قبل العالمية .
هى مقالة جديرة بالقراءة والتعقيب عليها سواء إتفقنا أو إختلفنا على ماكتبه الدكتور النويهى رحمة الله عليه.
عبدالرؤوف النويهى

................................................................................
القومية قبل العالمية د/ محمد النويهى

********
فى هذا العهد الجديد الذى إنطلقنا إنطلاقاتنا الكبرى فى كافة الميادين ، سياسية وأقتصادية وإجتماعية وثقافية ، كان طبيعيا أن تمتلأ صدورنا بالآمال الجسيمة ، وأن نبتدىء فى التجاوز بتفكيرنا من المجال المحلى الضيق إلى المجال العالمى الرحيب وفى الميدان الثقافى خاصة تركز هذا الطموح الجديد على سؤال هام : 
كيف نستطيع أن نكتسب لأدبنا صفة عالمية شاملة ??
هذا نزوع مشروع وهو فى حد ذاته يبشر بالخير لكنى رأيت كثيرين يلتمسون إليه مسلكا خاطئا حين يهبيون بالأديب العربى المعاصر أن يضع هدف العالمية نصب عينيه وألايقتصر فى اهتمامه وتعبيره عن المشاغل ( المحلية المحددة ) بل يتناول ما يسمونه بالآمال الإنسانية العريضة وأن تتسع روحه حتى تتميز بما يسمونه ( الإنسانية الشاملة )وأن يدخل ما يسمونه ( التسابق الثقافى الدولى ) هذا فى إعتقادى مسلك ضار لأنه إن تحقق فلن يؤدى إلى ما يهدف من ( إنسانية شاملة ) بل سيفقد أدبنا العربى الجديد أى قيمة حقيقية ترجى له بين آداب العالم ،.
فالأديب الذى يحاول أن يجعل أدبه بهذه (السعة ) لن يحقق السعة التى ينشدها بل كل ما يحققه هو الضحالة والميوعة والسطحية ، أما الطريقة الوحيدة إلى إكتساب صفة العالمية فهى إتقان القومية لأن الطريقة الوحيدة للنفاذ إلى المشاعر والمخاوف والآمال البشرية المشتركة بين كل الأجناس والأمم فى أدب ناضج ذى قيمة عالية ،هى أن يقصر الأديب نفسه على ما يعرفه معرفة شخصية ويخبره خبرة مباشرة من آلام أمة بعينها وآمالها ومن مناظر طبيعية بعينها وخصائصها ومن شخصيات قوم معينين وأمزجتهم ونفسياتهم .
فإن أتقن استخلاصها وتعمق تحليلها وأجاد عرضها فإنه سيتعمق فى محليتها ، حتى يصل إلى الجذور الأساسية المشتركة بين جميع بنى اليشر على إختلاف أجناسهم وأحوالهم...
فالأدب والفن جميعه لا يعنى الكليات بل بالجزئيات المفصلة ولا يعنى بالعموميات بل بالخصوصيات ولايعنى بالتجريدات بل بالماصدقات ، أما الذى بالكليات والعموميات والتجريدات فالفلسفة وأقصى إهتمام الأدب بها أن يستخلصها من الدراسة الدقيقة والخبرة الشخصية الحية للأمثلة التحقيقية المعينة، والدليل على صحة دعواى هذه تجده فى أى أثر أدبى عالمى مشهور ، من قصيدة أو دراما أو قصة فستجد أن منشئها لم يحاول أول ما حاول أن يعبر عن (آلام الإنسانية وآمالها ) ولم يهدف إلى ( إنسانية عريضة شاملة ) ولو وضع نصب عينيه مثل هذا الهدف الغامض المشتت ، لما أنتج تحفة عالمية خالدة ,لما أنتج سوى بديهيات فئة، وشعارات مائعة ،وملا حظات سطحية تافهة، وإنما وضع نصب عينيه أن يصور مشاعر قوم معينين فى بيئة خاصة فى زمن محدد من أزمان التاريخ فى ظروف سياسية أو إقتصادية أو فكرية معينة يتأثرون بها ويرضون عنها أو يرضخون لها أو يثورون عليها ، لكنه لم يكتف بتقييد السطحيات من الأمور المحلية ولو أكتفى بهذا لكان أدبه ( محليا ) بالمعنى الردىء للكلمة أى أدب مقصور أهميته على بيئته وعصره المحدودين بل كان لهذا ا لأديب من نفاذ الذهن وتعمق البصيرة ودقة الإحساس ما مكنه من أن يتغلغل إلى الأعماق ، فلما تغلغل وصل ،_ دون أن يقصد هذا فى المحل الأول_ إلى استخلاص الحقائق الإنسانية الخالدة التى يشترك فيها جميع البشر على إختلاف أممهم وبيئاتهم من صينيين وأمريكيين وبريطانيين وعرب وإغريق ومكسكيين ...إلى آخر أجناسهم وظروفهم .
الوصول إلى الصفة العالمية لا يكون إذن بالإتساع الأفقى بل يكون بالتغلغل الرأسى ، فالذى يجعل الأديب أديبا محليا قاصرا أو يجعله أديبا عالميا شاملا ليس تناوله للأمور المحلية أو تناوله للحقائق العالمية بل هو مقدار نفاذه وتغلغله فى فهم الطبيعة البشرية ، ولن يستطيع أديب أن يحلل ( الطبيعة البشرية ) مجردة من أوضاع المجتمع وظروف الزمان والمكان ، فهى إنما هى تصور كلى تجريدى ينتزعه الذهن فى تفكيره الفلسفى من آلا ف الماصدقات ، أما الأديب كأديب فوسيلته الوحيدة إلى فهمها هى أن يعنى بتفهم ذلك الفريق من البشرية الذى يعرفه معرفة شخصية مباشرة وهو فى أغلب الأحيان، قومه ، هذه طريقته الواحدة للوصول إلى الحقيقة الكلية الشاملة أو القيمة العامة الخالدة .
يعجبنى فى هذا الموضوع ما قاله برنارد شو فى دراسته لهنريك إبسن حين قال : 
"أن إبسن قد أجاد تصوير نفسية المرأة الأوروبية الجديدة وروحها العصرية النازعة إلى التحرر والكرامة الأنثوية ، لا لأنه حاول أن يصف ( المرأة الجديدة ) أو ( المرأة الأوروبية المتحررة ) بل لأنه عمد إلى نساء نرويجيات فى بيئة نرويجية خالصة ومن دراسته ا لعميقة وفهمه البعيد لهؤلاء النرويجيات المعينات فى منازلهم النرويجية ومعيشتهن النرويجية وصل إلى ما وصل إليه من الإتساع والشمول والخلود



الوصايا العشر


 فى العام الدراسى 1976م/1977م كنت بالسنة النهائية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ،والمد الطلابى ضد السادات قد أصبح الشغل الشاغل ..والظروف الإقتصادية تسوء يوماً بعد يوم .
وفى يوم الجمعة الموافق 26نوفمبر 1976م 
وبجريدة المساء المصرية .نُشرت وعلى صفحة كاملة قصيدة "الوصايا العشر " للشاعر أمل دنقل .
وقمت من فورى آنذاك بنقلها كاملةً فى أجندة ،أكتب فيها مختاراتى من الشعر العبى والأجنبى .وها أنا أنقلها من هذه الأجندة التى أحتفظ بها منذ مايربو 
على أربعين عاماً.
وقد قدم أمل قصيدته الفارقة بهذا التقديم :
"فقال كليب هذا تقدير الأنام ،فأريد منك ياعبد الخير قبل أن تذبحنى تفعل معى هذا الجميل وهو أن ترمينى بالقرب من هذه البلاطة القريبة من هذا الغدير لأكتب وصيتى إلى أخى الزير سالم واوصيه بأولادى ومهجة كبدى وبعد ذلك افعل ماتريد .
فسجبه العبد إلى قرب البلاطة والرمح غارس فيه والدم يقطر من جنبه .فبكى كليب وتفكر وهو يتأمل ما أصابه ويتحسر ،ثم أخذ بيده عوداً وغطه بالدم وأنشد يقول ."
قصة الزير سالم الكبير 


لاتصالح 

***** 
أمل دنقل

*****
(1 )

لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!

(2)

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!

(3)


لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!

(4)

لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف

(5)

لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!

(6)

لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة
(بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!

(7)

لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضلعين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ

(8)

لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

(9)

لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!

(10)

لا تصالحْ
لا تصالحْ